ينظر فيها فيعرف المدلول عنده . وليس كذلك حال العاقل ، لأنه عالم بأصول الأدلة ، فلا وجه تمتنع عليه لأجله المعارف .
فان قيل : أليس أهل الآخرة يمتنع عليهم فعل المعارف ، وان كانوا في كمال العقل ، كالواحد منا ؟
قيل له : انما يمتنع ذلك عليهم ، لأن سائر المعارف تحصل لهم باضطرار ويلجئون إلى أن لا يفعلوا النظر ، وذلك زائل عن الواحد منا في حال التكليف . ولو أن أحدنا حصل في دار الدنيا بهذه الصفة لامتنعت / عليه المعارف ، لكنه إذا كان على خلافها لم يجب ما ذكرته فيه .
فان قيل : ما أنكرتم أنه يمتنع عليه فعل المعرفة من حيث يجب وقوعها عند الدواعي بطبعه ، فلا يصح منه أن يفعلها باختياره ؟
قيل له : ان الدلالة قد دلت على أنها من فعل العبد على جهة الاختيار ، وليست مما يقع بالطبع ؛ بل قد دلت الدلالة على بطلان القول بفعل الطبائع أصلا ؛ فكيف يصح ما سألت عنه ؟ وانما تؤثر الدواعي في صرف القادر عن اختيار الشيء إلى اختيار غيره ، ولا يخرج ما فعله مما دعاه الدواعي إليه من أن يكون فعله . وانما تصور لمن ذهب إلى هذا المذهب ، أنه متى بلغت به الأحوال في الدواعي إلى أن لا يختار الا فعلا مخصوصا ، أن لا يكون ذلك واقعا منه وعن قدرته . وليس الأمر كما توهمه ، لأن القادر لا يمتنع أن يحصل بحيث لا يفعل الا فعلا معينا لالجاء أو لقوة الدواعي ، ولا يوجب خروج فعله من أن يكون واقعا منه وعن قدرته ، وانما يجب في كل مقدور . فإذا صح ذلك ، بطل القول بالطباع في هذا الباب ،
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 223
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص٢٢٣