عليه فلا يمكنه أن يفعل ذلك في كل حال ، وان صح أن يتفق على الوجه الّذي ذكرناه . فأما قدرة الانسان على ممانعة نفسه فغير جائز ، لأن المانع انما يكون مانعا بالفعل الّذي يضاد فعل غيره ، إذا قصد إلى ذلك ودعاه الداعي إليه ان كان ممن يصح هذا الحكم فيه ، وذلك لا يتأتى في القادر الواحد ، فلذلك يصح منه تعالى أن يمنع العبد بالعلم الضروري عن الجهل ، لا يصح منه أن يمنع نفسه ؛ ويصح من أحد القادرين منع / الآخر من التحريك بالتسكين ، وان لم يصح منه ذلك في نفسه . والمتولد كالمباشر في ذلك ، فإذا لم يجز أن يمنع نفسه بفعل مبتدأ عن ضده ، فكذلك لا يصح أن يمنع نفسه بالمبتدإ عن الفعل المتولد ، الا أن تتراخى الحال في المتولد وتتحدد أسبابه حالا بعد حال ، فيصبح إذ ذاك أن يفعل ما يمتنع معه وجود المتولد ، كما يصح فيما حل هذا المحل أن يبدو له فعله ، وأن يكره فعله ، وأن يندم عليه ، وذلك كالرمى والإصابة إذا تمادى الوقت بينهما . وليس كذلك حال النظر والمعرفة لأن ما يتولد عنه في الثاني من غير فصل ، فلا يصح أن يتغير حاله فيها من هذا الوجه ؛ ولأن المعرفة مما لا يجوز حاله بالدواعي إلى فعلها ، بل يجب في كل حال أن لا تكون لدواع إلى خلافها . فإذا صح ذلك ، وجب على كل حال أن لا يصح أن يمنع نفسه في الثاني من حال النظر عن فعل المعرفة سواء بقي على حالته في القوة أو تغير إلى ضعف . وهذه الجملة توجب سقوط جميع ما سألت عنه .
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 219
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص٢١٩