فيجب أن لا يمتنع ذلك وأن يصح منه أن يترك المعرفة ، وفي ذلك نقض قولكم في أن المعرفة لا ترك لها إذا وقعت متولدة .
قيل له : قد بينا أن من حق الترك والمتروك أن يصح من القادر أن يبتدئ بكل واحد منهما بدلا من الآخر ، وذلك لا يصح في الضدين إذا كان أحدهما متولدا عن سبب متقدم . لأن ذلك لا يصح أن يبتدئه وانما يقع عن السبب المتقدم ؛ ولو أراد أن يوجده على طريق الابتداء ، لاستحال منه . فلا يجب في الناظر أن يصح / منه أن يترك المعرفة في الثاني بالجهل ، لأنه وان صح أن يبتدئ به فمتعذر عليه أن يبتدئ بالمعرفة ، لما بيناه ، فأما تمكنه من فعل مثل المعرفة التي تتولد عن النظر ، فغير ممتنع ، لكنه مما لا يدعوه إليه داع من وجهين : أحدهما أنه قبل وقوع المعرفة المتولدة عن النظر لا يعرف الاعتقاد الّذي يكون علما ، بل يجوز في كل ما يفعله أن يكون جهلا فلا يدعوه إليه داع ؛ والثاني لأن المعرفة واحدها ككثيرها في أن التزايد لا يقع فيها ، لأن حال العالم بعلمين كحاله بأحدهما فيما يجد نفسه عليه ؛ وإذا لم يكن له إلى فعل المعرفة داع لم يخترها ، وان كان متمكنا من هذا الجنس ؛ وكذلك فلا يجوز أن يختار فعل الجهل في الثاني من حال النظر ، لأن غرضه بالنظر الوصول إلى المعرفة ، ولا يجوز أن تدعوه الدواعي إلى فعل الجهل وسائر ما يخرجه من كونه عارفا . والجهل ، وان تمكن من فعله الناظر في الثاني ، فإنه لا يفعله ، لما ذكرناه ، إذا كانت سليمة . فان اتفق ورود شبهة قادحة في الدليل الّذي نظر فيه ، لم يمتنع أن يفعل عند ذلك الجهل وان صح أن لا يفعله ، بل يتوقف ويشك إلى أن ينظر في الشبهة وحلها . لكن ذلك وان صح فان ضبط الأوقات يتعذر
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 218
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص٢١٨