فصل في أنه لا مانع يمنع المكلف من فعل المعرفة
يبين ذلك أن المنع من الفعل لا يكون الا بضد أو بما يجرى مجراه أو بتغير حال المحل أو الآلة . وقد علمنا زوال ذلك أجمع عن المكلف ، فيجب إذا كان قادرا على المعرفة أن يتمكن من فعلها ، لأن من حق القادر على الشيء أن يتمكن من فعله إذا زالت الموانع .
فان قيل : ما أنكرتم أن هناك منعا من المعرفة ، لأنه تعالى يخلق في المكلّف العلوم الضرورية / فيمنعه ذلك عن فعل المعرفة من حيث يمتنع عليه فعل النظر . لأنه قد ثبت أنه لا يصح من الناظر أن ينظر فيما هو عارف به .
قيل له : انا قد دللنا في صدر هذا الكتاب على أن المعرفة بالديانات لا تكون ضرورية وانما تحصل للمكلف على جهة الاكتساب ، وذلك يبطل ما سألت عنه . وبعد ، فان الشيء لا يمنع من فعل مثله وانما يمنع من فعل ضده ؛ فكيف يقال : ان المعرفة الضرورية يمنع الانسان من فعل مثلها ؟
ويجب لو صح ما سألت عنه أن يتمكن من فعل المعرفة من غير نظر بأن يفعلها حالا بعد حال بنفس المعلوم الّذي يعلمه ضرورة ، فلا يكون هناك منع وان كانت الدواعي تصرفه عن فعلها لحصول العلم الضروري فيه بذلك الأمر ، على ما بيناه من حيث لا يجد العارف لنفسه مزية فيما يعرفه بكثرة المعارف وقلتها . وهذا المنع مما ذكره في المنع .