وقد بينا أن المراد بقولنا : ان العلم من جنس الجهل ، يخالف المراد بقولنا : ان الصدق من جنس الكذب ، والطاعة من جنس المعصية . وبينا / أن هذا القول لا ينقض القول بتضادهما ، وأنه لا يمتنع وجوب ذلك فيهما وان كان أحدهما من جنس الآخر في الوجه الّذي بيناه ، وان امتنع ذلك في الصدق والكذب ؛ فليس لأحد أن يتعقب كلامنا بهذا الطعن .
وقد بيّن رحمه اللّه ذلك بأن العبد يذم على الجهل ويحمد على المعرفة ، كما يذم على القبيح من فعل الجوارح ويحمد على المحسن منها .
فكما يجب أن يدل ذلك على كونه قادرا على سائر تصرفه ، وجب بمثله كونه قادرا على الجهل والمعرفة . وقد بينا الكلام في هذه الدلالة ، وفي الوجه الّذي يصح عليه أن يستدل بها وفي الوجه الّذي يمتنع في باب المخلوق ، فلا وجه لإعادته .
فان قال : لو قدر الانسان على المعرفة ، لصح منه أن يتركها بدلا من أن يفعلها ؛ وقد علمنا أنه لا حال نفعل فيها المعرفة الا ولا يصح أن تتركها ، فيجب بذلك أن لا تكون فعلا له .
قيل له : قد بينا في باب التولد أنه لا يجب في كل ما قدر عليه العبد وأمكنه أن يوجده أن يصح أن يتركه ، بل يجب أن ينظر ؛ فإن كان له ترك ، لم يمتنع ذلك فيه ؛ وان لم يكن له ترك ، امتنع ذلك فيه . وبينا أن المتولدات لا تروك لها ، وأن الترك يختص بشرائط ليصح كونه تركا لما هو ترك له ، فلا يجب إذا قدر العبد على المعرفة ولا ترك لها أن يصح من العبد أن يتركها . هذا إذا وقعت متولدة عن النظر ، فأما إذا فعلها الانسان ابتداء فغير ممتنع أن يتركها . وانما لا يفعل تركها ، لأن الحالة التي معها يفعل
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 215
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص٢١٥