نعرف ذلك من حاله ، فيما نعلمه من حركاته وتصرفه الظاهر ، فكذلك قد نعلم ذلك في النظر . ولو لم نعرف ذلك من الغير ، يصح أن نعرفه من أنفسنا ، ولوجب متى علمنا أن نظرنا وفكرنا يقع بحسب الدواعي أن نعلم من حاله مثل ما نعرفه من حال سائر تصرفاته في وجوب كونه فعلا لنا .
ومتى ثبت العلم بذلك من حالنا ، وجب أن يكون ذلك حكم غيرنا ، لأن هذا الباب مما لا يجوز أن تختلف فيه أحوال القادرين . ولهذا نعلم من حال غيرنا فيما أتى وبدر من أفعال القلوب مثل ما نعلمه من حالنا في هذه الوجوه . / وليس النظر مما يتعذر وقوعه على جهة الابتداء ، فيحل محل كثير من المسببات في أن هذه الطريقة ربما لم تسلم فيه ولم تصح ، بل هو مما يبتدئه الانسان ويفعله بحسب دواعيه على الحد الّذي يفعل ما يبتدئه من التصرف ، فتجب سلامة هذه الطريقة فيه .
فان قال : ان النظر وان كان حاله ما ذكرتم ، فكيف تصح هذه الطريقة في المعرفة ، وأنتم قبل ايجادكم لها لا تعرفونها ولا تميزونها من غيرها ، فلا يصح أن تفعلوها بحسب الدواعي ؟
قيل له : ان الطريقة إذا أوجبت كون النظر فعلا للعبد فإنما يعلم أن المعرفة الواقعة عنه فعلا له ، من حيث ثبت بما قدمناه من قبل أن المعرفة تتولد عن النظر ، فيجب أن تكون من فعل فاعل النظر . وقد بينا أن المعرفة تقع بحسب النظر وانما توجد عنه على وجه لولاه كانت لا توجد ، وأنها لو لم تثبت متولدة عنه لم يجب أن يكون حالها في وجودها ولا في وجودها بحسب النظر على الحد الّذي عرفناها عليه . وبينا أنه لا وجه يمكن أن يقال لأجله أنها توجد عند النظر الا ما قلناه ، لأنه ليس بطريق لها
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 210
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص٢١٠