فصل في ذكر الدلالة على أن العبد يقدر عليهما « 1 »
اعلم ، أن أحد ما يدل على ذلك ما قد بيناه فيما تقدم ، لأنا قد دللنا / على أن من حق النظر أن يولّد المعرفة ، وبينا أن من من حق المسبب أن يكون من فعل فاعل السبب ، وصحة ذلك تقتضى كون المعرفة من فعل العبد إذا كان النظر المولد لها من فعله .
فان قال : فمن أين أن النظر من فعله أولا ، ليصح ما ذكرتموه ؟
قيل له : الّذي يدل على ذلك أنه يقع بحسب دواعي العبد وبحسب قصده وارادته ، على حد ما يقع عليه قيامه وقعوده وسائر أفعاله التي يبتدئها . فكما يجب بمثل هذه الدلالة كون تصرفه فعلا له ، فكذلك القول في النظر . وقد دللنا ، من قبل ، على أن العبد قادر عليه في الحقيقة ، في باب المخلوق .
فان قيل : ومن أين أن النظر يقع بحسب الدواعي مع أنها كالنظر في أنهما من أفعال القلوب ، ولا يحصل له العلم وبأن أحدهما يقع بحسب الآخر باضطرار ؟
قيل له : انا قد بينا أن الدواعي يرجع بها إلى الاعتقادات والظنون ، وذلك مما نعرفه من أنفسنا وغيرنا ؛ لأنا نضطر إلى أن زيدا يعتقد في الشيء نفعا أو دفع ضرر ، فيكون اعتقاده هذا داعيا إلى الفعل . وإذا صح أن
هامش
( 1 ) عليهما : أي النظر والمعرفة كما ذكر المؤلف في الفهرس .