ما يعلمه ضررا في أنه وان جوّز فيه منافع كثيرة يلزمه الاقلاع عنه . ولولا صحة ما ذكرناه ، لوجب أن لا يكون بأن يستحسن الاقدام على اعتقاد فاسد بأولى من أن يستحسن الاقدام على سائر الاعتقادات الفاسدة ؛ وهذا كالمتضاد . وليس كذلك حال ما تسكن نفسه إليه ، لأنه انما يقدم عليه على ترتيب مخصوص ، ولا يؤدى تجويزنا له أن يقدم عليه إلى أن يقدم على المتضاد .
مسألة : ان قيل : ان كانت المعرفة واجبة عند كمال العقل ؛ فهلا صح أن يفعلها العاقل في تلك الحال كسائر الواجبات ؟ وهلا تبينتم بتعذر فعلها عليه على أنها متعذرة أبدا ؟
قيل له : قد بينا من قبل أن العلم من الواحد منا يقع عن نظر أو ذكر النظر ، وفي ابتداء حال التكليف لا يقع الا عن النظر . وقد بينا أن النظر يولد العلم في الثاني ويخالف غيره من الأسباب ، فلذلك لا يصح في ابتداء كمال العقل أن يفعل العلم لحاجته في فعله إلى سبب يولده في الثاني وان اتفق في ذلك العلم أن يحتاج فيه إلى مقدمات من حيث لا يعرف الأدلة عليها باضطرار ، فإنه يحتاج إلى أوقات كما يحتاج في الإصابة إلى أسباب ومقدمات لكي تتولد عنها . ولو جاز التعلق بذلك في اخراج المعرفة أن تكون واجبة ، لجاز للمجبرة أن يتعلقوا بمثله في أن القدرة مع الفعل ليصح وجود الواجب في الحال .
فان قال : فهل يعرف المكلف ، إذا كان النظر والمعرفة واجبان / عليه ، وقت وجوبهما ، حتى يفصل بينه وبين غيره من الأوقات ؟ ويعرف ذلك على التفصيل ، فإن لم يصح ذلك فيه ، فيجب خروجهما من كونهما واجبين .
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 196
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص١٩٦