أن يخلو من أضداده كلها ، كما يلزمه أن يخلو في بعض الأحوال من سائر ضروب الكلام . وان كان شيخنا أبو هاشم ، رحمه اللّه ، قد ذكر في كتاب الأوامر أن الشك كله جنس ، لأنه يوقف عما لا يعلم . فهو وان كان مأمورا بالمعرفة ، فليس بمنهى عن التوقف عن اعتقاد ما لا يعلم . ولا فرق بين الشك في حال النظر أو ذكر النظر أو في الابتداء في أنه يحسن على كل حال . وهذا الحكم في أفعال القلوب أجوز منه في أفعال الجوارح ، ولا يجب ذلك في أفعال القلوب . والشك يفارق الجهل ، لأنه يقبح من حيث كان جهلا ، لا لأنه ينافي العلم . فلذلك وجب قبحه على كل حال ، وان لم يمتنع ، متى نافى وجود الواجب ، أن يكون قبيحا لأمرين : أحدهما كونه جهلا ، والثاني كونه منافيا للواجب ، كما نقوله فيمن / ترك قضاء الدين بفعل الظلم . فأما الشك فقد ثبت أنه يحسن ، وانما يقبح لأمر زائد على كونه شكا وهو أنه ينافي وجوده وجود العلم الواجب ؛ فلذلك حسن متى لم يقع على هذا الوجه .
فإذا صحت هذه الجملة ، لم يجب فيمن لزمه النظر أن يكون ممن يتعذر عليه أن يخلو من قبيح . لأن الشك ان لم يكن معنى ، فالحال بيّن في أنه يخلو من العلم والجهل جميعا في تلك الحال ، فيكون شاكا . وان ثبت معنى ، فيجب كونه حسنا ، لأنه مما قد يحسن في كثير من الأحوال .
فإذا لم يمكنه ، في تلك الحال ، أن يفعل العلم وثبت في عقله قبح الجهل ، فلا بد من كون الشك حسنا لأنه لا سبيل له إلى التخلص منه أو لأنه قد فعله في حال لا تمكّن المعرفة وقد ثبت في عقله حسن الشك متى تعذرت
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 190
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص١٩٠