قيل له : ان التمكن من معرفة الواجب في أنه يقتضي قيام الحجة بمنزلة العلم بوجوبه في هذا الباب . ونحن نبين ترتيب ذلك ، من بعد ، لأنه لا بدّ في الابتداء من أن يعلم المكلف وجوب النظر بحصول سبب وجوبه وفيما بعده من الأوقات . وقد يجوز أن يقوم التمكن من العلم بوجوبه مقام العلم بوجوبه .
مسألة : فان قيل : أليس العاقل لا يحسن منه الاقدام على اعتقاد ما لا يعلم صحته ، كما لا يحسن الاقدام على خبر يجوّز كونه كذبا وثبت أن الناظر لا يعلم ما حال المتولد عنه من الاعتقاد ، أهو علم أو غيره .
لأنه لو علم أنه لا يكون الا علما ، لما احتاج إلى أن يستدل على صحة النظر بوقوع العلم بعده . فإذا صح ذلك ، وجب فساد النظر أو القول بحسن الاقدام على اعتقاد يجوز كونه جهلا ؛ وتجويز ذلك يوجب جواز اعتقاد الجهل ، لأن الجاهل ، في حال جهله ، لا يعلم الجهل جهلا ؛ وانما يحكم بقبحه من حيث يجوّز ذلك فيه .
قيل له : انا قد بينا / أن للمتولد من الأفعال من الحكم ما ليس للمباشر أو ما هو في حكمه ، لأنه لا يقع باختيار فاعله وانما يجب وجوده من حيث وجد سببه ، فيجب أن يعتبر فيه بالسبب ، فإذا علم الانسان حسن النظر ووجوبه ، علم في الجملة أنه لا يوجب القبيح ولا يولده ، فيحسن منه فعله وفعل ما تولد عنه ، ويصير هذا العلم بمنزلة العلم بأن الاعتقاد علم به .
وليس كذلك ما يبتدئه من الاعتقاد ، لأنه لا وجه له يؤمّنه من كونه جهلا على جملة ولا على تفصيل . وكذلك القول في الاعتقاد عند ذكر النظر ، لأن استناده إليه كاستناد الاعتقاد الواقع عن النظر إلى النظر . ويفارق
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 186
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص١٨٦