مواضعة ، ولا يقبح أن يفعل الأفعال على أي وجه أراده الا أن تتقدم فيه مواضعة ؛ فيحل محل القول ، في الوجه الّذي قدمناه .
فان قال : فما الفائدة في قوله تعالى :
« يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا »
« 1 » ، انما يدل على أنهم اعترفوا بأنه من عند اللّه ، وان لم يعرف معناه .
قيل له : إذا جاز أن يقولوا في المحكم : انه من عنده تعالى ، وان عرف معناه ؛ فما الّذي يمنع من مثله في المتشابه ؟ ولو قوى بذلك ما قدمناه ، لكان أولى ، لأنه تعالى نبه بذلك على أنهم يعترفون أن ما يعرف المراد به بظاهره ، وما يفتقر في تعرف المراد به لاشتباه الحال فيه إلى غيره ، يتفقان في أنهما من عند اللّه ، تعالى ، وأنه مع حكمته أنزلهما لما في ذلك من المصلحة .
ويكون ذلك كالرد على من طعن في القرآن بأن فيه المتشابه الّذي يقتضي التحيّر . وسنذكر من بعد وجه المصلحة في جعله تعالى القرآن محكما ومتشابها ، فلذلك لم نذكره الآن .
واعلم ، أن ذكر الآي والأخبار في هذا الباب لا يفيد ، لأنا قد بينا أنه لولا صحة النظر لم يفد الكتاب ولا السنة ، / ولما صح أن نعرف صحتها فضلا عن أن نتعلق بهما في هذا الباب . ولأن المتعلق بهما قد نظر واستدل وتوصل بذلك إلى ابطال النظر بزعمه ، لأنه لا يمكنه أن يبطل النظر بذلك ، الا بأن يستدل به . فلو صح منه الاستدلال مع ما فيه من الاشتباه ؛ فما الّذي يمنع من صحة سائر ضروب النظر والقياس ؟ وكيف يصح التعلق بالشيء في افساد النظر ، ومعلوم من حاله أنه لولا صحة النظر لما صح ذلك
هامش
( 1 ) من الآية 7 آل عمران .