رجح شيخنا أبو علي ، رحمه اللّه ، الوجه الأول بأنه يقتضي حمل التأويل على ظاهره ، فهو أولى من الوجه الّذي يقتضي صرفه إلى المجاز ؛ ولأن المقصد بالآية بيان وجوب حمل المتشابه على المحكم ، وذلك يطابق القول بأن المراد به نفس التأويل .
وبعد ، فلو جوزنا أن يخاطب تعالى بما له ظاهر من المتشابه ، ويريد ما لا يدل عليه أو لا يريد به الا الايمان به ، لجاز ما تقوله المرجئة في كثير من الوعيد . وذلك يوجب جواز التعمية والألغاز عليه تعالى ، ويقتضي ذلك بطلان الطريق إلى معرفة اللّه ، سبحانه . ولولا أن الأمر كما قلناه ، لم يكن لوصفه تعالى المحكم بأنه أمّ الكتاب معنى . لأنه لا يجوز أن يكون أصلا به عند اللّه ، تعالى ، لأنه عالم لنفسه بالمحكم والمتشابه ، فلا بد من أن يريد به كونه أصلا للمستدل ، ولا يكون كذلك الا بأن يحمله عليه ويتبين بالمحكم المراد به . وقوله تعالى :
« فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ »
« 1 » ، يدل على أن اتباعه على بعض الوجوه يجوز ، والا كان لا فصل بين من يتبعه / ابتغاء الفتنة ، أو ابتغاء الصلاح في أنه مقدم على قبيح .
فان قال : فقد قال سبحانه :
« وَابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ »
« 2 » ، فمنع من اتباع المتشابه ابتغاء الفتنة وابتغاء التأويل جميعا .
قيل له : انما ذمهم لاتباع المتشابه ، للوجهين جميعا . فأما إذا اتبعه ليعرف تأويله فقط ، فالذم زائل على ما قلناه . وكيف يجوز أن يقول تعالى لنبيه ، صلى اللّه عليه :
« اتَّبِعْ ما أُوحِيَ إِلَيْكَ »
« 3 » ، وفي جملته ما لا يصح
هامش
( 1 ) من الآية 7 آل عمران .
( 2 ) من الآية 7 آل عمران .
( 3 ) من الآية 106 الأنعام .