تكاملت علومه ، واستوفى المعرفة بالحجج والشبهة ، ورزق الصبر على مشقته دائما . وفي هذا ، ابطال الثقة بصحة النظر .
وهذا بعيد ، لأنا قد دللنا على أن التوصل إلى العلم بالمدلول يصح من الناظر ، متى علم صفة الدلالة ، وان لم يعلمها دلالة ، كما يصح أن يولد الرمي الإصابة وان لم يعلم أنها تتولد عنه . ولولا قيام الدلالة على أن من شرط توليد هذا النظر العلم بالمدلول أن يكون الناظر عالما بالدليل ، لوجب أن يولده وان لم يعلمه ، كما قلناه في الرمي . فاذن لا يجب أن نعرف الحجج والشبه والفرق بينهما ، حتى يصح أن يولد النظر العلم .
وبعد ، فلو كان الأمر كما قالوه ، لوجب أن لا يحصل لنا العلم متولدا عن النظر في حدوث الأجسام ، وفي كون من صح الفعل منه قادرا لأدلة لم تستوف معرفة الفصل بين الحجج والشبه ، ولم نعرف ما يفوت من النظر وما يصححه ولا مراتب النظر والمعارف أجمع . وفي سكون نفسنا ، إلى ذلك ، دلالة على فساد ما قاله . على أن الواحد منا ، لا يحصل عالما بالحجج والشبه الا بعد النظر في الأدلة ، فلو كان ذلك شرطا في صحة النظر والمعارف ، / وبالنظر يوصل إليه ، لأدى إلى أن لا يحصل ذلك أبدا من حيث جعل شرطا فيما هو شرط فيه .
وبعد ، فان هذا السائل قد سلم صحة النظر ، وأن في الناظرين من يعرف صحته وثبوته .
وقد علمنا أن ذلك الناظر إذا تدبرنا حاله ، لم يخل علمه بصحة النظر من أن يكون ضرورة أو اكتسابا ، ولا سبيل إلى ادعاء الضرورة فيه . فلم يبق
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 148
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص١٤٨