ولو صح ما قاله ، لكان الثاني من النظر انما لا يولد لأنه يخرج التعب الّذي لحقه من أن يتمكن من استحضار العلوم وتمييز الأدلة . وذلك لا يوجب أن هذا النظر لو وقع منه ، بعد حمّام واستراحة ، أنه لا يولد العلم ؛ كما أن من تعب في الرمي ، لا يصيب كإصابتنا ؛ ولا يوجب ذلك ، أن الرمي لا يولد الإصابة ، إذا وقع على سمت مستقيم .
وبعد ، فلو قيل : ان الاكثار من النظر قد يسهل التوصل بالنظر إلى الغامض ، كما قد يوهن القوة ، لكان أولى ، لأن كلا الوجهين صحيح .
وقد قال شيخنا أبو هاشم ، رحمه اللّه : يبعد فيما يلحق الناظر من التعب لكثرة النظر ، أن يمنعه من النظر ، كما يمتنع المشي على التعب ؛ وان كان لو منع من ذلك ، لم يؤثر في صحة النظر .
شبهة
قالوا : لو أدى النظر إلى العلم ، وكان العلم فعل الناظر ، لوجب أن يعلم كونه فاعلا له ، لأن السبب لا بدّ من أن يفعل المسبب .
وهذا بعيد ، لأن العلم بأنه فاعل للشئ يحتاج إلى استدلال ، ولا يجوز حصوله الا بعد تقدم العلم بذات ذلك الشيء ، ويتعلق حدوثه به . والانسان لا يعلم من نفسه / أنه عالم ضرورته ، فضلا عن أن يعلم العلم . فالذي يحصل له ، باضطرار ، كونه معتقدا وناظرا . وهذا مما لا يمتنع من أن يعرفه الناظر من نفسه . ولذلك جعلنا الدلالة على أنه يولد العلم ، وقوعه عنده على طريقة واحدة ، على ما قدمناه من قبل . وبينا ، في باب المخلوق ، أنه لا يجب في فاعل الشيء أن تتعلق صحة فعله به بالعلم . وذلك يسقط السؤال .