فصل في بيان فساد التقليد
اعلم ، أن القول به يؤدى إلى جحد الضرورة ، لأن تقليد من يقول بقدم الأجسام ، ليس بأولى من تقليد من يقول بحدوثها . فيجب اما أن يعتقد حدوثها وقدمها ، وذلك محال ؛ أو يخرج عن كلا الاعتقادين ، وهو محال أيضا . وكذلك القول في سائر المذاهب . وليس له أن يقول : أقلد أحدهما لستر أو صلاح ، لأن كلا القائلين قد يختص بذلك ؛ ولأن هذه الحالة لا تمنع من الخطأ ، ولا تحيله . وليس له أن يقول : أقلد للأكثر في ذلك ، وذلك لأن المحق قد يكون واحدا ، والمبطل قد يكثر جمعه . فيجب أن يعرف الحق بغير هذه الطريقة ، ثم يعرف متبعوه هل هم قليل أم كثير . وقد مدح اللّه القليل وذم الكثير ، فقال :
« وَقَلِيلٌ ما هُمْ »
« 1 » ،
« وَما آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ »
« 2 » ، وقال :
« وَلكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كارِهُونَ »
« 3 » .
وقد كان الرسول صلى اللّه عليه في ابتداء أمره محقا وهو قليل العدد ، / وقال صلى اللّه عليه وسلم « بدأ الاسلام غريبا ، وسيعود غريبا كما بدأ » « 4 » .
وذلك يدل على جواز أن يكون الحق في القليل . والاسلام في بلاد الروم يكون حقا ، وان كان مظهره أقل منهم . وقوله صلى اللّه عليه : « عليكم
هامش
( 1 ) من الآية 40 ص .
( 2 ) من الآية 40 هود .
( 3 ) من الآية 70 المؤمنون .
( 4 ) حديث .