مما يحتاج إليه السريع الفهم من الأوقات ، لأمر يرجع إلى استحضار العلوم التي يحتاج إليها في النظر ومقدماته أو شروطه ؛ ولذلك يختلف التكليف على الناظرين بحسب أحوالهم . وربما فكر الانسان ، عند النظر ، في أمور سواه ؛ ويظن نفسه مفكرة فيما يجب أن يفكر فيه . وليس الأمر كذلك ؛ ولا يصح ، مهما ذكرناه من الاحتمال في هذا الباب ، أن نقدح به في الأدلة ؛ بل يجب التمسك بما اقتضاه الدليل . وتخرج هذه الأمور ، التي لا نعول فيها الا على الوجود ، على ما اقتضاه الدليل إذا كان محتملا لحصول وجوه اللبس فيه ، ودخول الغموض فيه .
فان قيل : لو ولّد النظر العلم ، لوجب أن يولده وان كان من فعله ، تعالى . وهذا يوجب كون الناظر في الدليل مضطرا إلى العلم بالمدلول .
قيل له : ان ذلك غير مستنكر ، لأنا لم نخل ذلك فيما نعلمه بالنظر لكوننا ناظرين ، وانما أخليناه لكوننا فاعلين للنظر . فإذا فعل ، تعالى ، ذلك ، فيجب أن يكون العلم المتولد عنه ضروريا ؛ لأن المسبّب يجب أن يكون أبدا من فعل فاعل السبب .
فان قيل : ان جاز ذلك في النظر ، فيجب أن تجوّزوا في ذاكر الدلالة أن يكون مضطرا إلى العلم بالمدلول .
قيل له : لو فعل ، تعالى ، فيه العلم بالمدلول لكان مضطرا ، على نحو ما قلناه في النظر . الا أنه يجب أن يكون هو أيضا فاعلا للعلم ، لأن تذكر الدلالة / يدعوه إلى ذلك . ووجود العلم من فعل اللّه تعالى ، فيه ، لا يمنع من وجود فعله ، لكونه مثلا له ؛ والشيء لا يمنع من وجود مثله ، كما يمنع من وجود ضده .
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 90
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص٩٠