لأن ما أوجب في الإرادة ذلك من كونها حالّة في غير محل المراد ، ومن كون تعلقها بفعل الغير على حد تعلقها بفعله ، إلى غير ذلك مما بيناه من قبل ، ليس بثابت في النظر .
ومما يدل على أن النظر يولد العلم ، أن العلم بالمدلول عنده يقع على طريقة واحدة ، على ما قدمناه . فلا يخلو من أن يكون وقوع ذلك عنده ، انما يجب لأنه طريق للعلم ، أو لأنه يحتاج إليه ، أو لأنه مولد له . لأنا قد علمنا أنه لا يجوز أن يكون وقوعه عنده على جهة العادة ، لأن ذلك يطرق القول بمثل ذلك في سائر المتولدات ، بل في تعلق الأفعال بالفاعلين . وقد بينا أن ما طريقه العادة ، لا بدّ من أن ينفصل حاله من حال الموجب ، على بعض الوجوه . وقد علمنا أن النظر ليس بطريق للعلم ، لأن من حق طريق العلم أن يتعلق بالشيء على الحد الّذي يعلم عليه ؛ كالادراك الّذي يتناول المدرك على الحد الّذي يعلم عليه وعلى ما يتصل به . وذلك يستحيل في النظر ، لأنه لا يتعلق بالمدلول أصلا ؛ ولو تعلق به ، كان لا يتعلق به على وجه دون وجه . فإذا بطل ذلك ، وبطل حاجته إلى العلم ، لأن من حقه أن لا يوجد معه ، بل يتقدمه ؛ فما هذا حاله لا يصح كونه محتاجا إلى غيره ولا مضمنا به ، فلم يبق الا أنه / يولد العلم .
ولذلك قال شيخنا أبو علي ، رحمه اللّه : كان يجب ، لو لم يولّد العلم ، أن لا يكون ما يوجد عنده بأن يكون علما أولى من أن يكون جهلا ؛ بل كان لا يمتنع أن يبقى ناظرا مدة طويلة ينظر في الأدلة ولا يعتقد المدلول على وجه كما قد يتذكر ، الا محال ؛ ويتكرر ذلك منه ، ولا يذكره في الأغلب .
وفساد ذلك ، يبطل هذا القول .
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 92
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص٩٢