تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 65

مساهمون:

ص٦٥
فأما ما قاله السائل : من أنه / إذا ثبت في فعل الساهي أنه ليس بقبيح ولا حسن فجوزوا مثله في فعله تعالى فقد أسقطناه بما قدّمنا ذكره ؛ لأن ما له حكمنا بذلك في فعل الساهي ليس بحاصل في فعله تعالى ، فلا يجب فيه ما قاله . ولعمري إن كونه عالما غنيا إنما يوجب ألا يختار القبيح ، ولا يدلّ بصريحه على حسن أفعاله ؛ لكنا إذا علمنا أنه مع كونه عالما بالفعل متى لم يكن فعله قبيحا فيجب كونه حسنا ، ومتى لم يكن حسنا يجب كونه ظلما أو عبثا ، فقد اقتضى ذلك إثبات أفعاله حسنة . فأمّا قوله : لو فعل الفعل لحسنه لوجب ألّا يفعله في حال دون حال لعلمه بحسنه في كل حال ، وهذا يوجب ألا يتقدم فعله إلا بوقت واحد ، فغلط ، لأن علم العالم بحسن الشيء لا يقتضي وجوب فعله له ، وإنما يقتضي أن له أن يختاره وما لا يجب أن يفعله الفاعل لا يمتنع أن يفعله في حال دون حال ، كما لا يمتنع منه أن يفعل أحد الضدّين دون الآخر من غير علّة يختصّ بها المفعول دون المتروك . وقد بينّا من قبل أن كون القادر قادرا يقتضي في فعله أن يصحّ أن يوجد في حال دون حال ، ويؤثر فعلا على فعل من غير علّة ، لأنه لو لم يفعل ذلك إلا لعلة لنقض ذلك كونه قادرا . ويفارق ذلك ما نقوله : من أنه سبحانه لا بدّ من أن يفعل الواجب في حال وجوبه مع السلامة ؛ لأنه لو لم يفعله لاستحق الذم ، وكونه عالما غنيا يمنع من ذلك . ويفارق ما يلزمه أصحاب الأصلح ؛ لأنهم قالوا بوجوب الفعل ، فلزمهم على قوده « 1 » كونه فاعلا له قبل / الوقت الّذي فعله فيه بوقت قبل وقت ، حتى لا يتقدّم فعله إلّا بوقت واحد ؛ وإن لم يكن كذلك فيجب أن يكون غير فاعل للواجب في بعض الأحوال ، أو غير قادر على إيجاده قبل خلقه له ، وذلك لا يتأتّى فيما يفعله لحسنه فقط . فأمّا تشبيهه ذلك بما يفعله الواحد منا لداع فمما يقوّى ما نقوله ؛ لأنه قد يفعل أحدنا في الشاهد الفعل لحسنه ، ولنفع الغير ، أو لنفع نفسه
هامش
( 1 ) أي على قياسه وطرده .