فصل في ذكر الوجوه التي يستحقّ بها المدح والذم
أمّا المدح فإنه يستحقّ بوجهين : أحدهما أن يفعل الواجب لوجوبه في عقله ، ويفعل الحسن لحسنه في عقله . والثاني ألّا يفعل القبيح لقبحه في عقله . وقد بينّا من قبل أن سائر الوجوه التي عليها يستحقّ المدح لا بدّ من أن ترجع إلى هذين . فإن قيل : أليس الصغير قد يمدح وإن لم يكن منه فعل يستوجب به ذلك ؟ فلم قلتم : إنه لا يستحقّ إلّا بهذين الوجهين ؟ قيل له : إذا ثبت أنه يستحقّ فلا يستحقّ إلّا على هذين الوجهين ؛ فأمّا ما يفعل لا على جهة الاستحقاق فغير ممتنع أن يفعل على جهة التفضّل ، كما يمدح الصغير عند بعض الأفعال لندعوه بذلك إلى الصلاح . فأمّا ما يستحقّه من المدح لخصال فضله كالعقل والقوّة فغير جار على الوجه الأوّل ، لأن ذلك إبانة عن كونه أفضل من غيره في خصال الفضل وعلى هذا الوجه نعظمه - تعالى - لأنه عالم لذاته وقادر لذاته ونعظّم من يختصّ بالشجاعة والمعرفة / ومن اختصّ بكونه من أهل بيت الرسول صلى اللّه عليه . والّذي قدّمناه والمدح الّذي يستحقّه لأمر يختصّ الفعلية ، ويجرى مجرى الثواب .
فإن قيل : إن كان من لم يفعل القبيح يستحقّ المدح فيجب أن يقولوا : إنه - تعالى - يستحقّ من المدح ما لا نهاية له ، لأنه قادر على أن يفعل في كل حال من القبائح ما لا نهاية له ، فإذا لم يفعله لقبحه فيجب أن يستحقّ من المدح ما لا يتناهى واستحالة ذلك تبطل كون هذا الوجه وجها للمدح
قيل له : إن الاعتراض على ما العلم به أوّل في العقل لا يصحّ . وقد بينّا أن العلم بحسن مدح من لا يفعل القبيح لقبحه كالعلم بحسن مدحه على أداء الواجب . فإن قال :
لست أقدح في ذلك وإنما أقول : يجب إذا استحق من لم يفعل القبيح المدح أن