يستحقّه على فعل فعله ينافي القبيح الّذي لم يفعله ، قيل له : متى كان هذا مرادك بطلت المسألة التي أوردتها ، لأنه لا يمكن أن يقال : إنه - تعالى - إذا لم يفعل ما يقدر عليه من القبائح فقد فعل لها تروكا ، لما فيه من إيجاب وجود ما لا نهاية له . فإن قال :
وما الجواب عن السؤال على طريقتكم ؟ وإن لم يعترض ما ذكرتم ، قيل له : إن استحقاق ما لا يصحّ فعله يستحيل على القادر ، ولذلك منعنا من استحقاق الثواب والعقاب في حالة واحدة . فإذا صحّ ذلك وجاز خروج سبب العقاب من أن يكون سببا له من حيث يستحيل فعله به مع فعل الثواب فما الّذي يمنع من خروج كونه - تعالى - غير فاعل للقبيح لقبحه من أن يكون سببا لاستحقاق مدح لا نهاية له من حيث يستحيل فعله .
وبعد ، فإن القادر على القبيح لا يستحقّ المدح بألّا يفعله فقط وإنما يستحقّه بألا يفعله لقبحه فيكون / قبحه هو الصارف له عن فعله . وهذا يمنع من ألّا يفعل ما لا نهاية له لهذا الوجه ؛ لأن الصارف لا يصرف إلّا عن الفعل الّذي لولا ه لصحّ أن يحصل إذا حصل الداعي إلى فعله . وهذا يقتضي أن يكون القدر الّذي لم يفعله لقبحه متناهيا . وفي ذلك إسقاط السؤال . وكذلك الجواب لما سأل عن الواحد منّا إذا لم يفعل من الجهل ما يقدر على إيجاده لأنه يقدر على ما لا نهاية له من ذلك . وإنما يستحق المدح فيما لا يفعله منه مع ثبات الدواعي إلى ألّا يفعله ويكون غير فاعل له لقبحه ، وهذا يردّه إلى الحصر ، ولا فرق بين أن يكون الوجه الّذي عليه لم يفعله يردّه إلى الحصر أو يكون الشيء في نفسه محصورا . وهذه المسألة لا تستقيم في الثواب لأنه لا يستحقّ بألا يفعل القبيح لقبحه فقط بل يجب ألّا يفعله لقبحه وله داع إلى فعله من شهوة أو شبهة حتى يحصل معنى المشقّة فيه فيستحقّ الثواب ، ولا يتأتّى ذلك فيما لا يتناهى . وإن كان في باب المدح يبعد في الواحد منّا لأنه لا بد من اعتبار دواعيه فيما له يفعل ولا يفعل ، وذلك يقتضي حصره ، وليس كذلك حال القديم - تعالى - لأنه
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 509
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص٥٠٩