المكلف قد صار في هذه الوجوه بمنزلة اليتيم الّذي لم يبلغ مبلغ الرشد فيما يتعلّق بمنافعه .
فإن قيل : فيجب إذا كان المعلوم من حال المكلف أنه سيكفر ويستحق النار لا محالة أن يكون له الامتناع من التكليف ؛ لأن ذلك إلى المضرّة أقرب منه إلى المنفعة ، قيل له : إنه أولا غير عالم بكيفية حاله في المستقبل فلا يصح ما ذكرته : ولو كان عالما أيضا لكان مع تكامل شروط التكليف فيه امتناعه من قبول التكليف في أنه يستحقّ به النار كإقدامه على المعاصي . فأمّا إن لم تتكامل شروط التكليف فيه فالمسألة زائلة .
وليس من شروط المكلف أن تكون المنافع التي يستحقّها على الطاعات له حاصلة أو في حكم الحاصل كالمعاوضات في الشاهد ؛ لأن حصولها مع كونها غير متناهية يستحيل وحصول ما يستحقها في هذه الأوقات لا يصحّ ؛ لأنه يخرج الطاعة من أن تكون مفعولة على وجه يستحق الثواب بها إلى أن تكون مفعولة على وجه الإلجاء لمنافع حاضرة . وهذا لا يصحّ على ما نبيّنه من بعد . فقد سقط تشبيهه الثواب بالأجرة من الوجهين جميعا ، على أن تشبيه ذلك بما يبتغى « 1 » فيه المؤمن بحمل المشقة رجاء المنافع الآجلة في دار الدنيا من غير أن يكون أجرة ومعاوضة أقرب . وقد ثبت حسن ذلك وإن / لم تكن المنافع حاضرة ، فيجب أن يكون الثواب بمنزلته .
وليس من شروط المكلّف أن يعلم أن الثواب سيحصل له ؛ لأنه لو علم ذلك لقطع على أنه سيبقى إذا كان في الحال فاسقا ، وهذا إلى أن يكون فسادا في التكليف أقرب ، وكان يجب في المؤمن أن يقطع على أنه يموت على إيمانه ، وهذا كالأوّل فيما ذكرناه .
وعلى كل حال يجب ألّا يكون هذا العلم محتاجا إليه وإن لم يكن في حصوله مفسدة .
وبينّا أنه ليس من شرط المكلّف أن يعلم في كل حال أنه قد أدّى ما لزمه .
هامش
( 1 ) الكلمة غير واضحة في الأصل . ويحتمل أن تكون ( يسعى ) .