تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 407

مساهمون:

ص٤٠٧
الواحد منّا أن يأمر الغير بما يعلمه غير مطيق له ومتمكّن من إيجاده . وقد بينّا صحّة القول بقبح ما لا يطاق ، فلا وجه لإعادته وذكره . وبينّا أن المعتبر في قبح ذلك أن يعلم أن المأمور يتعذّر عليه ذلك على الحدّ الّذي أمر به ، وذلك يقتضي أن يعلم من حاله أنه متمكّن بسائر وجوه التمكين ، وأن الموانع لا تحصل فيه ولا الإلجاء ؛ لأنا قد بيّنا أن أداء ما كلّف على الوجه الّذي كلّف مع الإلجاء لا يصحّ ؛ لأنه لا فرق بين أن يقع الفعل منه ولا يمكن أن يستحقّ به ما هو الغرض في التكليف ، وبين أن يقع على خلاف الوجه الّذي كلّف ، أو من غير الجنس الّذي كلّف . فإن قيل : أليس يحسن من الواحد منّا أمر الغير بالفعل - وإن جوّز ألا يتمكّن منه - إذا أمره على شرط ، فهلّا حسن مثله من القديم - تعالى - ؟ قيل له : قد بينّا أنه - سبحانه - إذا لم يوصف بأنه عالم من حال المكلّف بأنه متمكن فلا بدّ من كونه / عالما من حاله بأنه غير متمكّن ، وليس كذلك حال الواحد منّا ؛ لأنه لا يجب أن يعلم كلّ معلوم ، فيحسن منه لفقد علمه أن يأمر الغير على شرط ، سيّما وغرضه في الأكثر من الأمر منافعه ، لا لينال المأمور بالفعل الّذي أمر به غرضا . ولا فرق في هذا الوجه بين ما يأمر به دينا أو دنيا ؛ لأنه إذا أمر بالمعروف فلا بدّ من أن يكون له فيه صلاح . وليس كذلك حاله - تعالى - ؛ لأنه يأمر غيره لمنافع تعود على ذلك الغير ، فلا بدّ من أن يعلم من حاله ما وصفناه . وأمّا إن سأل فقال : هلّا جاز أن يأمره - تعالى - بشرط ، وإن علم أحواله في المستقبل ، فقد أجبنا عن ذلك وبينّا أن الشرط لا يصحّ مع العلم وأنه لا بدّ عند التفصيل من أن يؤول إلى قبح الأمر فلا وجه لإعادته . ويجب أن ينظر فيما به يصير المكلّف ممكّنا من الأمور التي قدّمناها . فما كان منها مقدورا للقديم - تعالى - فقط فيجب أن يفعله به في حال حاجته إليه ؛ كما يجب أن يعلم من حاله ما وصفناه . وما صحّ أن يكون من فعل المكلّف ينقسم . ففيه ما لا يحسن