وليس من شرط المكلف أن يطلب رضاه فيما كلف . ولذلك يجب على الإنسان الانقياد / في أداء العبادة وأن يزول عن السخط له . ولو كان متعلّقا باختياره لم يكن لتجب هذه الطريقة .
فإن قيل : أليس لا يحسن منا في الشاهد أن يلزم الغير الأمور المتعبة إلّا برضاه إذا كان ممّن له رضا يعتبر ، فهلّا أوجبتم مثله في القديم - سبحانه - ، وإذا قبح منا إلزام الغير مع السخط فهلّا قبح مثله من القديم - تعالى - قيل له : إنما يعتبر الرضا فيما يصير الرضا كالوجه لحسنه ، فأمّا إذا حسن الشيء مع فقده فلا معتبر به ، وقد ثبت أنه يحسن من الواحد منا إكراه الغير على الأمر الّذي تبلغ المنافع فيه المبلغ الّذي لا يحيل على أحد من العقلاء أن تلك المشقّة تختار له . ولذلك لو دعى « 1 » الإنسان إلى أن يتكلّم بفصل من الكلام ليعطى ولاية بلد على وجه يحسن ولا مضرّة عليه لحسن إكراهه على ذلك ، ولعدّ عند الامتناع من ذلك لاحقا بمن لم يتكامل عقله . وإنما اعتبرنا الرضا في الإجارات وغيرها ؛ لأن العوض لا يبلغ هذا المبلغ ولا يقاربه ، ولأن المستأجر إنما يفعل ما يفعله لمنافعه التي تخصّه . وليس كذلك حال القديم - تعالى - . وقد تقصّينا هذا الكلام فيما سلف . وإذا ثبت بما نذكره أن الآلام التي يستحق بها الأعواض لا يعتبر فيها الرضا فبألّا يعتبر ذلك في التكليف أولى .
وبعد ، فإن ما يكلّفه الإنسان يعلم أنه بالصفة التي لو لم يكن مكلفا للزمه أن يفعله ، فليس وجوبه عليه من قبل المكلف إلّا من حيث خلق فيه العقل . فإذا صحّ ذلك صار لزومه بمنزلة وجوب ردّ الوديعة ، وقد صح أن ما حلّ هذا المحلّ لا يعتبر فيه الرضا لحصول وجه الوجوب فيه / وليس كذلك الاستئجار في الشاهد . وكما لا يجب أن يعتبر لحصول وجه الوجوب فيه رضا المكلّف فكذلك لا يعتبر زوال سخطه في حسن التكليف ، كما لا يعتبر كلا الأمرين في تصرّف الولىّ في أموال « 2 » اليتيم ؛ لأن
هامش
( 1 ) في الأصل : « ادعى » .
( 2 ) في الأصل : « أحوال » .