تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 280

مساهمون:

ص٢٨٠
وقد علمنا أن التسوية بين من المعلوم أنه يكفر وبين من المعلوم أنه يؤمن لا تحصل إلّا بالتكليف ، فيجب أن يكلّف الكلّ ، ولا يجوز أن يجب ذلك في الحكمة إلا وهو حسن ؛ لأنه لو لم يسو بينهم لوجبت المحاباة أو إسقاط التكليف عن الكل . وهذا بعيد . وذلك لأن التكليف غير واجب ، فلقائل أن يقول : إنه - تعالى - يكلّف من يعلم أنه يؤمن تفضّلا ، ومن المعلوم أنه يكفر لا يكلّفه أصلا ؛ لأنه يقبح ، ولا يجب بذلك كونه محابيا ؛ لأن من يقول في أمثال ذلك : إنه محاباة إنما يقوله فيما لولا كونه محاباة لحسن دون ما يقبح لوجه آخر ، فيجب أن يدلّ أوّلا على حسن تكليف من يعلم أنه يكفر ، ثم يقال : لو لم يفعل ذلك / لكان محابيا . على أن المحاباة عندنا ليست من هذا الباب . ولا يمتنع أن يفعل - تعالى - ببعض عبيده من الإحسان والتفضل ما لا يفعله بغيره ، ويفعل به من إسقاط العقاب ما لا يفعله لغيره ، ولا يكون بذلك محابيا ، على ما نبيّنه من بعد . وبعد ، فإن لقائل أن يقول : إن كان متى لم يكلّف من يعلم أنه يكفر يكون محابيا بتكليف من يعلم أنه يؤمن ، وإذا كلّفه يكون فاعلا لفعل قبيح فيجب ألّا يكلّف أحدا أصلا ؛ لتزول المحاباة ويخرج من كونه فاعلا فعلا قبيحا ، فلا بدّ عند هذا القول من أن يبيّن حسن هذا التكليف ، وفي ذلك رجوع إلى غير هذه الدلالة .

طريقة أخرى

وقال بعضهم : قد ثبت في الشاهد أنه يحسن اتّخاذ الآلات والأطعمة والكسوة وغيرها ممّا ينتفع به ، وتصحّ معه الأفعال ، وقد علمنا أنه يحسن اتّخاذ ذلك وإصلاحه ، وإن علم أنه قد ينتفع به من يعصى ويسعى في القبائح ، كما قد ينتفع به من يطيع ويسعى
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 280 | القاضي عبد الجبار الهمذاني