طريقة أخرى
وأحد ما قيل في ذلك أن التكليف لو قبح إلّا أن يعلم أن المكلّف / يؤمن ويقبل ، لوجب أن يكون قبوله وفعله الإيمان هو الّذي جعل التكليف حسنا ونعمة ؛ لأنه لولاه لقبح ، ولأجله يحسن ويكون إحسانا ؛ ولو كان كذلك لكان العبد بأن يكون في حكم المنعم على مكلّفه - من حيث صيّر فعله إحسانا وصيّره مستحقا للشكر - أولى أن يكون المكلّف منعما عليه ، ولتناقض ذلك من حيث صيّر فعله « 1 » يؤدّى إلى ألّا يكون تكليفه - تعالى - نعمة إلّا بالقبول ، وقبوله لا يصحّ إلا وهو نعمة ، ويؤدّى إلى ألّا يصحّ منه - تعالى - أن ينعم على وجه ينفرد به ، ولا يحتاج في كونه منعما إلى غيره . وقد علمنا فساد ذلك . فإذا بطل ذلك وجب حسن التكليف ، كان المعلوم أن المكلّف يؤمن أو يكفر . وهذا إن أمكن التعلّق به فإنّما يمكن في إبطال القول بأن التكليف إنما يحسن لأن المكلّف يؤمن ، فأمّا إذا قال القائل : إنما يحسن لأنه - تعالى - عالم بأنه يؤمن ، أو قال : إن تكليف من يعلم أنه يكفر يقبح لأنه يكفر ، أو لأن المكلّف يعلم من حاله أنه يكفر فيصير كونه عالما بذلك يقتضي وقوعه على وجه يقبح عليه ، فدفعه بما أورده لا يصحّ أصلا ، ولا يمكن أن يتعلّق به فيما قدّمناه أيضا ؛ لأن لقائل أن يقول :
لا يصير حسنا بإيمانه ، لكنه يكشف « 2 » على أنه وقع في الابتداء حسنا ؛ كما أنه - تعالى - إذا دلّ على أن زيدا يؤمن أو أخبر بذلك من حاله ، فإيمانه يكشف عن أن الخبر وقع صدقا ، ولم يجب أن يكون حسنا بإيمانه ، حتى يكون هو الممدوح على الصدق دون القديم - تعالى - فكذلك القول في التكليف .
هامش
( 1 ) في الأصل كتب خط على « فعله » كأنه علامة الضرب على اللفظ وسبق القلم إليه ، وقد يكون القصد الضرب على « صير فعله » فيكون الأصل : « من حيث يؤدى »
( 2 ) أي يكشف إيمانه . وقد ضمن الكشف معنى الدلالة فعداه بعلى .