قد يجب اللطف في النوافل ، وإن كان لا يخشى من ألّا يفعلها مضرة . وقد نصّ شيخنا أبو علي / رحمه اللّه على ذلك . فإذا ثبت أن اللطف لم يجب لهذه العلة سقط ما قاله . وإنما وجب اللطف لثبوت التكليف فيما اللطف لطف فيه . وقد علمنا أن في هذه المسألة لم يحصل التكليف أصلا . فالقول بوجوب اللطف لا وجه له . فإذا ثبت ذلك لم يبق إلا القول بأنه يجب أن يكلفه تعالى المدة الثانية ، لكي يتخلّص من العقاب ، ومن استحق العقاب لسوء اختياره لا يجب أن يمكّن من التخلص منه ؛ كما لا يجب أن يمكّن من استحقاق الثواب .
وقد بينا من قبل أن العقاب يحسن من القديم تعالى إسقاطه ، فلا يجوز أن يقال إنه سبحانه يكلّفه للعوض الّذي يحسن التفضّل به ، فيجب أن يكون الوجه في حسن هذا التكليف أن يعرضه لمنافع عظيمة . وقد بينا أنه إذا لم يجب في الابتداء أن يكلف مع العلم بأنه يؤمن لم يجب مثله في الثاني . وقوله تعالى
( وَلَوْ رُدُّوا
« 1 »
لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ )
لا يدلّ على ما قاله ؛ لأنا لا نمنع من أن يكون هذا حال الكفار : أنهم لو كلفوا ثانيا لم يؤمنوا ، وإن جاز لو كان المعلوم أنهم يؤمنون ألّا يكلفوا ، فمن أين أنه لو علم تعالى أنهم لا يعودون كان يجب ردّهم إلى حال التكليف . وإنما نبه تعالى بذلك على أن ردهم إلى حال التكليف لو صح لكانوا سيعودون وإن علمنا أن ذلك يبعد ، خصوصا إذا ثبت أن التكليف لا ينفكّ من تكليف معرفة اللّه من جهة الاستدلال . على أن القصّة هي في الكفار خاصّة ؛ لأنه تعالى قال في آخرها :
( فَذُوقُوا
« 2 »
الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقاءِ اللَّهِ )
/ فمن أين أن الفساق لا يعلم من حالهم أنهم لو ردّوا لم يعودوا والمخالف في هذه المسألة لا يفصل بين الكفار والفساق .
أمّا التعلق بأنه يقبح من الواحد منا أن يدبّر ولده هذا التدبير فيقتصر به في أوقات التعريض ، والأمر على المدة التي يعلم أنه يفسد فيها ، مع العلم بأنه لو أمره بعد ذلك لأطاع ،
هامش
( 1 ) الآية 28 سورة الأنعام .
( 2 ) الآيتان 30 ، 31 سورة الأنعام .