القدر ، إلّا أن يعلم أن تكليف السنة الثانية التي يؤمن فيها كتكليف السنة الأولة في قدر ما يستحق به الثواب ، فلا يحسن إلّا تكليف السنة الثانية . فأمّا الجمع بين التكليفين فحسن ، وليس بواجب ، إلّا أن يكون تعالى في الابتداء أراد وصوله إلى هذا القدر من الثواب ، فلا يجوز ألّا يكلفه ما يعلم أنه يصل به إليه ، ويكلفه ما يعلم أنه لا يصل به إليه .
فإن قيل : إن تكليفه / السنة الثانية يجب أن يكون لطفا في تخلّصه من العقاب الّذي استحقه في السنة الأوّلة بمعاصيه ، فيجب أن يكلفه سبحانه ذلك .
قيل له : قد بينا أن اللطف هو الأمر الّذي عنده يختار المكلّف ما لولاه لم يكن يختاره ، فلا يصحّ إلّا في المنتظر من الأفعال دون الواقع . فلا يصحّ أن يقال : إن إدامة تكليفه لطف فيما تقدم ، ولا يصح أن يقال : إنه لطف في نفس التوبة ؛ لأن الكلام في هل يجب أن يكلفه التوبة أم لا . فلا يصح أن يجعل العلة في ذلك أنها لطف ؛ لأن كونها لطفا في نفسها لا يصحّ .
فإن قيل : إنه يجب أن يكلّفه التوبة لتكون لطفا في غيرها .
قيل له : إنما يجب أن يكلف اللطف متى كلّف الأصل الّذي اللطف لطف فيه .
فأما إذا لم يكلف ذلك فتكليف اللطف غير واجب ؛ ألا ترى أن تكليف الإنسان الشرعيات ولما كلف « 1 » أصلا غير واجب . ولا فرق بين من قال : يجب أن يكلف التوبة لأجل سائر التكليف ، وبين من أوجب أن يكلف سائر التكليف لمكان التوبة . وهذا متناقض كما ترى .
فإن قال : إني أوجب أن يبقيه تعالى ، ويمكّنه ؛ لأن ذلك لطف في التكليف الثاني .
قيل له : إن سائر وجوه التمكين لا يصحّ كونها لطفا ؛ لأن به يتمكّن من الفعل ،
هامش
( 1 ) المراد : « لما يكلف » ولما جازمة وهي لا تدخل على الماضي ، ولكن المؤلف يستعمل هذا كثيرا :