فإن قيل : إن تكليف من يعلم أنه يؤمن ابتداء إنما لم يجب / لأنه لا يتحرز به من مضرة قد نزلت به ، وإنما المقصد به التعريض للمنفعة ، وليس كذلك حاله إذا كان المكلف قد كفر من قبل ، لأنه يتحرز بهذا التكليف من الضرر الّذي استحقّه بالتكليف الأول . فلذلك وجب أن يكلّفه تعالى . وإذا ثبت في العقول أن التحرز من المضارّ يجب علينا ، فكذلك يجب عليه تعالى أن يعرّضنا للأمر الّذي نتحرز به من المضرة سيما إذا كانت المضرة حصلت لأمر تفضّل به تعالى ؛ لأنه لو لم يكلف التكليف الأول لما كفر المكلّف ، وإنما صحّ أن يكفر لأجله ، فيجب أن يديم عليه التكليف ليتحرز مما استحقّه من المضرة . وإذا ثبت أن اللطف واجب على القديم تعالى من حيث يجب على المكلّف أن يفعل ما يصلح به وعنده ، فكذلك إذا وجب على المكلّف التحرز من المضرة وجب على القديم تعالى فيمن استحق العقاب أن يمكّنه من الأمر الّذي يتحرز به منه .
قيل له : إن المضرة التي استحقّها إنما أتى فيها من قبل نفسه ، لا من قبله تعالى ؛ لأنه جل وعز إنما كلّفه أولا ، لكي يطيع فيستحقّ الثواب ، وعرّضه بالتكليف وسائر ما فعله للمنافع . فإذا كفر واستحق العقاب فإنما أتى من قبل نفسه ، ولا يجب عليه سبحانه أن يمكّنه من إزالة المضرة التي أدخلها على نفسه ؛ لأن ذلك لو وجب عليه تعالى لكان إنما يجب لاختصاصه بأنه يمكن إزالة المضرة به ، فكان يجب مثله على الواحد منا كما ألزمنا أصحاب الأصلح القول بأن المنفعة التي مثلها يجب عليه تعالى يلزم أن تكون / واجبة علينا وقد صحّ أن الواحد منا لا يجب عليه تمكين غيره من إزالة المضارّ التي أتى فيها من سوء اختياره ، فكذلك القول فيه تعالى .
وإنما قلنا : إن اللطف يجب على القديم كما يجب علينا مصالح أنفسنا لا على جهة قياسه عليه لكن لأن كونه مكلّفا مع أن الغرض به وصول المكلف إلى المنافع يقتضي أن يزيح علته بالألطاف كما يزيحها بالتمكين : ولذلك فصلنا بينه وبين غير المكلّف في هذا الوجه .
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 255
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص٢٥٥