وإنما أوجبنا أن يفعل المرء ما يكون صلاحا له ؛ لأنه يتحرز به من المضارّ التي يخشاها إن لم يختر ذلك فالعلة في الأمرين مختلفة ، وإن اتفق الحكم فيهما . وذلك يبطل ما سأل عنه ؛ لأنه ظن أنا نحمل وجوب اللطف عليه تعالى على الشاهد ؛ فبنى سؤاله عليه . فإذا انكشف بما بينّاه أن الأمر بخلاف ما قدّره فقد زال الطعن ؛ لأنه تعالى من حيث كلّف يجب أن يزيح العلة بفعل اللطف ، والتكليف الثاني لا يجرى هذا المجرى ، فحمله على ما قدمناه لا يصحّ .
فإن قال : لست أوجب هذا التكليف الثاني بعد الأول ، لكني أقول : إنه تعالى في الابتداء إذا أراد أن يكلّفه وقد علم أنه إن كلفه سنة كفر فيها ، وإن كلفه سنتين آمن في إحداهما ، قبح الاقتصار به في التكليف على السنة الأولى ؛ لأن غرض القديم تعالى إذا كان تعريضه لمنفعة ، وعلم أنه متى كلّفه هذه المدة آمن ، وإذا اقتصر به على دونها لم يؤمن ، فيجب أن يكون الاقتصار به على دون السنة ينقض الغرض بالتكليف . فلذلك قلت بوجوب إدامة التكليف عليه .
قيل / له : قد بينا من قبل أن له تعالى أن يريد به قدرا من المنفعة ، ولا يريد ما زاد عليها . وبينا أنه تعالى إذا كان متفضّلا بالتكليف ابتداء فيجب كونه متفضّلا بمقاديره ، وبينا أن الغرض بالتكليف وصوله إلى المنافع ، فيجب أن يحسن منه تعالى أن يعرّضه بقدر دون قدر ؛ لأنه بذلك يتفضّل . فإذا صحّ ذلك كان له تعالى في الابتداء أن يكلّفه المدة التي يعلم أنه يعصى فيها ، ولا يزيد في تكليفه عليها ؛ لأن علمه بأنه لو كلّفه المدة الثانية كان يؤمن لا يخرجه إذا اقتصر به على المدّة الأولة أن يكون قد عرّضه لمنفعة لا ينالها إلّا به ، ولا يقوم مقام ذلك التكليف في تلك المنفعة غيره . فيجب أن يحسن الاقتصار به في التكليف عليه .
فإن قيل : فيجب على هذا أن يحسن منه تعالى أن يكلّفه كل يوم يعلم أنه يعصى
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 256
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص٢٥٦