تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 252

مساهمون:

ص٢٥٢
وعلم أنه إن بقي الأمر بالتعليم والإنفاق عليه أفسد ما تعلّمه أوّلا ، وترك التعليم ثانيا أن ذلك يقبح منه وهذه صورة التكليف الّذي ذكرتموه ، فيجب كونه قبيحا . قيل له : إن الوالد إذا كان يغتمّ بما يحصل من ولده من إفساد ما تعلمه ، قبح منه أن يأمره ثانيا بالتعليم ، لما فيه من استجلاب مضرة ، لا منفعة تتعقّبه . وليس كذلك حال التكليف ؛ لأنا قد بينا أنه يقتضي التعريض لمنزلة زائدة ، فيجب أن يحسن ، وإن علم أنه يسئ إلى نفسه بما يختاره من الكفر الّذي يقتضي حرمان الثواب واستحقاق العقاب . ولو أن هذا الوالد كان لا يغتمّ بذلك لحسن أن يعرضه للمنفعة الزائدة إذا كان من قبل نفسه يؤتى فيما يختاره من إفساد ما مضى من تعلمه . فإن قيل : أليس الواحد منا لو علم من حال الجائع أنه إن قدّم إليه قدرا من الطعام واقتصر عليه أنه يأكل ويسدّ جوعته ، وإن زاد قدرا آخر فيما يقدّمه إليه أفسد تأثير ما تقدم من الأكل ، وأضرّ بنفسه ضررا مبتدأ بترك الأكل أن تقديم هذا الزائد يقبح ، والاقتصار على ما تقدم يحسن ، فهلّا قلتم بمثله في التكليف ؟ قيل له : ليس الأمر في الإطعام على ما قدّرته ، بل يحسن من المطعم تقديم لون بعد لون وتعريضه بذلك لمنفعة ، وإن علم أن عند تقديم اللون الثاني يفسد ما تقدم كما يحسن / أن يبتدئه بالإطعام مع العلم بأنه يترك تناوله ، ويستحقّ بذلك الذمّ والعقاب . فالحال فيهما واحدة على ما قلناه في التكليف . فإن قال : إن حسن ما ذكرتموه فيجب أن يحسن منه تعالى بعد إدخال المؤمن الجنّة ، وإثابته إيّاه زمانا أن يكلّفه ، وإن علم أنه يكفر ، ويزيل ما يستحقه من الثواب ومتى قبح ذلك وجب لمثله قبح ما قدمتموه . قيل له : إنه جلّ وعزّ قد لا يختار من الأفعال ما لو اختاره لحسن ، فلا يجب إذا علمنا أنه تعالى بعد إدخال المثاب الجنة لا يكلف التكليف الّذي سألت عنه أن يحكم
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 252 | القاضي عبد الجبار الهمذاني