اختياره ما يستحقّ به العقاب فإذا حسن تكليفه وإن علم ذلك من حاله فيجب حسن ذلك ، وإن علم أنه يحبط الثواب .
فإن قيل : إنه تعالى إذا علم أنه يحبط الثواب الّذي قد استحقّه ، ثم كلّفه مع العلم بذلك من حاله ، فكأنه قد استفسده في التكليف الأوّل وفي حصول الثواب ؛ لأنه لو أراد نفعه لاخترمه ؛ لكي يبقى ما استحقه من الثواب . فإذا بقي التكليف عليه فكأنه مريد لفساده وزوال ثوابه ، فيجب القضاء بقبح تبقية التكليف عليه . ويفارق بذلك التكليف المبتدأ ، وإن علم من حال المكلف أنه / يكفر .
قيل : إن استفساد المكلّف فيما قد وجد وتقضّى مستحيل ؛ كما أن استصلاحه فيه مستحيل . فإذا صحّ ذلك لم يمكن أن يقال : إنه استفساد فيما تقدم من تكليفه ، وحصل واقعا من إيمانه ، فيجب حسنه ، وإن علم أنه يختار الكفر عنده ، إذا أتى في ذلك من قبل نفسه . وإذا جاز أن يبتدأ بالتكليف مع العلم بأنه يكفر ، ويستحقّ العقاب العظيم ، فهلّا جاز أن يبقى التكليف عليه ، وإن حرم نفسه الثواب واستحق العقاب ؛ لأن هذا العقاب لا بدّ من أن يتناقص بالثواب المتقدم ؛ لأنه يسقط ما يكافئه منه . فيجب أن يكون هو بأن يحسن أولى من تكليف من يعلم أنه يكفر ابتداء .
فإن : قيل : إنه إذا كلّفه ابتداء صلح أن يقال فيه : إنه تعالى لو أراد نفعه بالثواب لم يصح أن يعرضه له إلّا بهذا الطريق فلذلك حسن . وليس كذلك تبقية التكليف على من قد آمن مع العلم بأنه يكفر ؛ لأنه لو أراد نفعه لاقتصر به في التكليف على ما أطاع فيه ، واستحق الثواب عليه ، ولما زاده تكليفا . فصار هذا التكليف الزائد في أنه يقبح لتأثيره فيما قد استحقه من الثواب أبلغ من المفسدة التي تقتضى اختيار القبائح ، والإخلال بالواجبات .
قيل له : إنه تعالى كما يحسن منه أن يكلّف ابتداء من يعلم أنه يكفر ، فيعرّضه بذلك
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 250
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص٢٥٠