وإذا كنتم على الشاهد تعوّلون في باب ما يحسن ويقبح من الأفعال ، وقد علمتم أن الواحد منا لو علم أنه إن أدلى الحبل إلى غريق لخنق به نفسه أنه يقبح منه ذلك ؛ لوقوع العطب والهلاك عنده ، فكيف لا يقبح تكليف من يعلم أنه يختار ما يؤدّيه إلى الهلاك الدائم .
فإذا قلتم : إن الواحد يقبح منه أن يأمر ولده بقتل الكفار ، عند إعطائه السيف ، مع العلم بأنه يقتل نفسه ، فهلا قبح تكليف من يعلم من حاله أنه يكفر ، وكيف يتوهّم القول بأنه تعالى يفعل بالعبد كلّ ما يكون إلى فعل الإيمان أقرب ، وعن فعل الكفر أبعد ، وتكليفه مع ذلك مع العلم بأنه يكفر لا محالة . وكيف يصح لكم مع هذا القول ما اتّفق مشايخكم عليه : من أنه تعالى أنظر للخلق منهم لأنفسهم ، أوليس المكلّف لو علم أنه يختار الكفر لا محالة لم يكن لحسن نظره لنفسه أن يختار التكليف ، فيجب ألا يكون من حسن نظره له تعالى اختيار ذلك . وإذا صحّ أن الوالد متى علم من حال ولده إنه إذا عرّض / للولايات والمنازل العظام لم يصل إليها ، ووصل إلى ما يضرّه بدلا منها ، وعلم أنه إن تفضّل عليه بدون ذلك انتفع به ، لم يكن من حسن النظر له التعريض للولايات بل الواجب الاقتصار به على التفضّل . وهلا قلتم : إن الأولى في حسن النظر أن يقتصر تعالى بالمكلّف على التفضّل إذا كان يعلم أنه متى كلّف كفر .
وإذا قلتم : إنه تعالى لو لم يلطف بالعبد بفعل ما يعلم أنه يؤمن عنده لدلّ ذلك على أنه غير مريد لسلامته ووصوله إلى الثواب ، فهلّا قلتم : إنه تعالى إذا صحّ منه أن يتفضّل على من المعلوم أنه يكفر إن كلف فتكليفه له يدلّ على أنه غير مريد لسلامته ووصوله إلى المنافع . وإذا كان من قولكم أنه تعالى لو علم أنه إن كلفه الإيمان على وجه يعظم ثوابه ، وعلى وجه يقلّ ثوابه على البدل ، وأنه يختار الإيمان إذا كلف على أدون الوجهين أنه لا يحسن منه أن يكلّفه على الوجه الأعلى ؛ لما فيه من هلاكه . فيجب ألّا يحسن منه أن
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 215
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص٢١٥