تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 214

مساهمون:

ص٢١٤
لمكان تكليفه الأفعال الكثيرة التي يعلم أنه يعصى فيها ، ولوجب أن يحسن تكليف من لا عدد له كثرة إذا كان المعلوم أن مكلّفا واحدا يطيع عند تكليفهم ؛ كما جوّزنا أن يكون المعلوم في الآلام العظيمة أنها إنما تفعل لأن بعض المكلفين يطيع عندها ، ولا تؤثّر كثرته وقلّته في هذا الباب عندنا . ومما يبيّن التفرقة بين الأمرين أن الآلام إنما تحسن منه تعالى إذا فعل لنفع يسدّ مسدّه « 1 » فيخرج به من كونه ظلما ، وللمصلحة التي تخصّ المكلف فيخرج بها من كونه عبثا . وليس كذلك حال التكليف ؛ لأنه في نفسه ليس بمضرة ، وإنما هو إلزام أمور شاقّة ، فيجب أن يفعل لوجه يخرج من كونه عبثا وظلما . ومتى قصد به تعالى التعريض لمنازل الثواب خرج من كونه ظلما ، وإذا كان ذلك الثواب لا يجوز التفضّل به خرج من كونه عبثا ، وصار بمنزلة الآلام لو استحق بها ما لا يجوز الابتداء به في أنها كانت تخرج من كونها عبثا وإن لم تكن لطفا .

فصل في بيان الفرق بين تكليف من يعلم أنه يكفر ، وبين المفسدة

/ إن سأل سائل فقال : إذا حكمتم بقبح التكليف إذا كان المعلوم أن غير المكلّف يكفر عنده ، فهلّا قبح إذا كان المعلوم أنه يكفر عند تكليفه ؛ لأن وقوع الكفر منه عند تكليف غيره إذا اقتضى قبح ذلك التكليف فبأن يقتضي قبح نفس تكليفه أولى ؛ لأن لتكليفه من التأثير في وقوع الكفر منه أكثر من تكليف غيره ؛ لأنه يصحّ أن يؤمن وإن كلّف الغير كما يصحّ أن يكفر . ولولا تكليفه لما وقع الكفر منه ، ولما صحّ . [ و « 2 » ] إذا حكمتم بقبح تكليفه الصلاة إذا كان المعلوم أنه يعصى في الصوم ، فهلّا قبح تكليفه الصوم وغيره إذا كان المعلوم أنه يعصى فيه .
هامش
( 1 ) أي مسد الألم المفهوم من الآلام . ( 2 ) زيادة يقتضيها السياق .