تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 199

مساهمون:

ص١٩٩
دون غيره من العقلاء . ألا ترى أن العلم بقبح الظلم على الجملة لمّا كان ضروريا وقع فيه الاشتراك ، وكذلك العلم بقبح الكذب العاري من نفع ودفع مضرة . ونحن نعلم من أنفسنا أنا لا نعلم قبح ما ذكره على جملة ، ولا على تفصيل ، فلذلك اختلف العقلاء . في ذلك ، فمنهم من قال بحسن التكليف ، وإن علم المكلّف أنه يختار ما يؤدّيه إلى المضرة ، ومنهم من قال بقبحه ، ولا فرق والحال ما ذكرناه بين من ادّعى الضرورة فيما قالوه ، وبين من ادّعاه في ضده ، حتى يدّعى أنه يعلم باضطرار حسن تكليف من يعلم المكلّف أنه يكفر إذا كان قد عرّضه لمنفعة عظيمة لا تنال إلّا به ، وإنما يؤتى فيما يستحقّه من الضرر من سوء اختياره . وبعد ، فإن العلم بقبح الفعل المختصّ ببعض الصفات على جهة الجملة إنما يحصل ضروريا إذا كان للعقلاء طريق إلى معرفة تفصيل ذلك الفعل على بعض الوجوه . فأمّا إذا تعذّر ذلك لم يصحّ الاضطرار فيه . ألا ترى أن العلم بقبح كذب مخصوص ، وبقبح الظلم ، وتكليف ما لا يطاق ، إلى ما شاكله ، إنما يصح كونه ضروريا من حيث أمكن معرفة تفصيل ذلك على بعض الوجوه ، وصح اختبار حاله ، فيعلم باضطرار قبح بعض الآلام دون بعض ، وبعض الأوامر دون بعض ، على / الجملة ؛ كما يعلم عند الاختبار استحالة كون الموجود لا قديما ولا محدثا ، واستحالة كون الجسم في مكانين . ولذلك لا يصحّ ادّعاء العلم الضرورىّ بحسن الأمر والتكليف إذا علم الآمر أن المكلّف سينتفع لا محالة ، لمّا لم يكن لنا طريق إلى معرفة تفصيله ولذلك لم يصحّ العلم بقبح شهوة القبيح ، وحسن شهوة الحسن ضرورة : لمّا لم يكن له في الشاهد نظير يعرف بالعقل على جهة التفصيل . وكل ذلك يبيّن فساد ادّعاء الاضطرار في هذا الباب على جهة الجملة ، وأن من ادّعى ذلك في حكم من يدعى العلم بقبحه مفصلا ؛ لأن كلا الأمرين مما يعلم خلافه من حال العقلاء ، ولا يمكن لمدّعيه بيانه بالتنبيه عليه ؛ كما يمكننا بيان قبح كون العلم ضروريا بالتنبيه على ذلك