ولا يبعد على طريقة شيخنا أبى هاشم رحمه اللّه لو صحّ أن يكلّف تعالى النوافل دون الواجبات أن يحسن منه تعالى أن يكلّفه مع النوافل الواجبات ، وإن علم أنه يكفر فيها ، إذا لم تكن مفسدة فيما يطيع فيه ، لأنه يستحقّ بمجموع الأمرين من الثواب ما لا يستحقّه بأحدهما . فيجب أن يحسن منه أن يعرّضه للمنافع العظيمة ، وإن كان المعلوم أنه لا يصل إليها بسوء اختياره ، فإنه لا يكون علمه بأنه يصل إلى ثواب النافلة لو كلّفه إيّاها فقط بموجب أن يقبح أن يكلفه الواجبات مع النوافل إذا كان المعلوم أنه يصح أن يصل بهما إلى أضعاف ذلك من الثواب ، وأن يخسر حظّ نفسه ولم يحسن الاختيار . فإذا جاز عنده رحمه اللّه أن يكلّفه الإيمان على الوجه الأشقّ بلا لطف ، وإن علم أنه يكفر ، ولا يكلفه الوجه الأسهل ، وإن علم أنه يؤمن لو كلفه على هذا الوجه لحصول ثواب زائد في الوجه الأشقّ ، فهلّا حسن أن يكلّفه الفرض مع النفل وإن علم أنه يعصى في الفرض ، لما فيه من الثوب الزائد على ما يحصل له لو كلّفه النفل بانفراده .
وقد جوّز رحمه اللّه أن يكلّفه تعالى بعد الإيمان واستحقاق الثواب تكليفا زائدا ، وإن علم أنه يكفر ، لما فيه من التعريض لزيادة الثواب ، وإن كان المعلوم أنه لا يناله ويحرم نفسه ما قد استحقّه من قبل فما الّذي يمنع من أن / يكلفه تعالى الفرض مع النفل ، وإن علم أنه من حاله أنه يعصى في الفرض .
وهذا يبيّن أنه لا حاجة به رحمه اللّه على طريقته في التكليف إلى أن يبين أن تكليف النوافل وحدها لا يصحّ ولا يحسن ، وأنه لا فرق بين أن يحسن ذلك أو لا يحسن ، في أنه يجب أن يحسن منه تعالى أن يكلف الفرض معها ، وإن كان المعلوم أنه يعصى فيه ، إلا أن يعلم من حاله أنه يطيع في كل واحد منهما لو انفرد عن صاحبه ، ومتى جمع بينهما عصى فيهما . فيجوز أن يقال فيمن حاله هذه : إنه لا يحسن أن
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 172
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص١٧٢