فإن قال : جوّزوا فيمن المعلوم من حاله أنه يؤدّى ما كلّف من العقليات ، وأنه يعصى في الواجبات التي قد يصح ألّا تجب عليه من الشرعيات ألّا يكلف هذه الواجبات ، ويكلف بدلا منها النوافل التي يصل بها إلى الثواب دون / العقاب .
قيل له : إن ما ذكرته لو صح لوجب ألا يحسن تكليف هذا المكلف الواجبات التي يعلم أنه يخلّ بها . فأما من المعلوم من حاله أنه يكفر في العقليات أجمع ، فيجب أن يحسن تكليفه ؛ لأنه لا طريق يصل بها إلى الثواب الّذي عرض له سوى ما كلّفه .
ومتى ثبت حسن ذلك في بعض المكلفين ثبت في سائرهم مثله .
على أن شيخنا أبا هاشم رحمه اللّه قد بين أن وجه الحكمة في تكليف النوافل أنها تسهّل أمثالها من الواجبات العقلية أو السمعية ، فلا يجوز أن يكلّف تعالى ضربا من النافلة إلا مع تكليف ما شاكله من الواجب . وبيّن صحّة ذلك بأنه تعالى لم يكلّفه نافلة إلا مع إيجاب ما شاكله : من صوم ، وصلاة ، وغيرهما .
فأمّا الاعتكاف فقد يجب ما هو من جنسه ؛ نحو الوقوف بعرفة ، ونحو ما يوجبه على نفسه بالنذر . فأمّا الحج المتطوّع به فقد يجب مثله بالنذر على بعض الوجوه ، وقد يجب أمثال كل ركن منه ؛ والامتناع مما يجب لأجل الإحرام الامتناع منه لأنه يجب في الصوم الامتناع من الوطء ؛ كما يجب في الحجّ ، وقد يجب الامتناع منه في حال حيضها .
هذا لو ثبت أن الداخل في حجّ النفل يكون متطوّعا بسائر أركانه ، فكيف وقد ثبت أنه إنما يكون متطوّعا بالإحرام فقط ، ثم يلزمه المضىّ عليه . ويخالف الحجّ في ذلك الصوم والصلاة عند كثير من الفقهاء ؛ من حيث لا ينقطع بالقطع ، فيجب من هذا الوجه المضىّ فيه مع الصحّة ؛ كما يجب ذلك مع الفساد . وليس كذلك حكم الصوم والصلاة . وإن كان في الفقهاء من يجمع بين الكلّ ، ويقول فيمن أفسد ذلك : يلزمه القضاء / كما يلزم ذلك في الإحرام عند الكل . وليس بنا حاجة إلى تقصّى القول في ذلك ؛ لأنه قد بان الجواب عما سأل عنه .
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 171
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص١٧١