وأولى من كثير يعلم أنه لا يصل إليه ، ومن يوصّله إلى ذلك اليسير أقرب إلى حسن النظر ممّن بيّن له طريق الكثير الّذي لا يصل إليه . أوليس المتعالم من حال المنفعة التي لا يجب بفوتها المضرّة الدائمة أنها آثر وإن قلّت من منفعة « 1 » عظيمة يجب بفوتها العقاب الدائم . على أن العقاب قد يحسن إسقاطه ، فهلّا قلتم : إنه تعالى إن كان يختار تكليف من يعلم أنه يكفر ، فلا بدّ من أن يتضمّن إسقاط العقاب الّذي يستحقّه ليحسن منه أن يعرّضه للمنفعة التي يعلم أنه لا يتعرض لها ، وإلّا فإن حسن أن يعاقبه صار في الحكم كأنه اختار له العقاب ، وأدخله فيه . وذلك قبيح .
واعلم أن القدرة على الشيء هي القدرة على مثله وضدّه . وقد دللنا على ثبوت ذلك فيها ، وبيّنا أن / الآلات بمنزلتها في أنها إذا صلحت للشئ صلحت لضدّه . وقد علمنا أن المعصية هي مثل الطاعة في الجنس أو مضادّ « 2 » لها ، وإن كان فيها ما يخالفها . فإذا صحّ ذلك لم يمكن أن يقال إنه تعالى يمكّن المكلف من الطاعة دون المعصية ؛ لأن ذلك يستحيل في سائر وجوه التمكين .
ألا ترى أن القادر على الشيء يقدر على إيجاده على وجه يحسن وعلى « 3 » وجه يقبح ، ويتمكّن من ذلك بآلاته .
فأمّا الجهل المضادّ للعلم فإنه يصح أن يبتدئه ، وأن يفعله عند شبهة وداع ولا يحتاج إلى ما تحتاج المعرفة إليه من النظر في الدلالة .
فإذا ثبت ذلك لم يصحّ من القديم تعالى أن يكلّف الطاعة ، ولا يمكّن من المعصية ، ولا يصح أيضا أن يخلّى بينه وبين الطاعة ، ويمنعه من المعصية ؛ لأن الفعل
هامش
( 1 ) في الأصل : « المنفعة » .
( 2 ) في الأصل : « مضادا » .
( 3 ) في الأصل : « لا » .