وبعد ، فلو ثبت أن العرض لا يوجب الحكم الا بمحله لم يجب أن لا يكون فاعل العرض الا محله ، لأن ايجابه يرجع إلى ذاته ويقتضي اختصاصه بما يوجب الحكم له وأولى ما يختص بل المحل فيجب أن يوجب الحكم له ، وليس كذلك حال الفاعل ، لأنه لا يقع فعله منه على جهة الايجاب بل يقع على جهة الاختيار فلا يجب أن يختصر به هذا الاختصاص .
وبعد ، فان دل ما قاله على أن تعلق الفعل بالفاعل كتعلق الحال بالمحل ، فيجب أن يكون الحالّ فاعلا للمحل ، كما أنه الّذي يوجب الحكم له ، بالعكس مما قالوه ، وقد ألزمهم شيخنا أبو علي رحمه اللّه ذلك ، وقال لم صار المحل بأن يكون فاعلا للحالّ أولى من أن يكون الحال فاعلا / له ؟
وبيّن أنه لا يمكنهم أن يقولوا انما صار المحل فاعلا من حيث صح وجوده مع عدم الحالّ ، ولم يصح ذلك في الحال ، لأن وجوده مع عدم المحل محال ، بأن قال : ان عندكم لا يمتنع أن يحصل المحل والطبع أوقاتا كثيرة ولا يوجب الفعل ، فإذا صح ذلك لم يمتنع أن يكون الفعل يوجد في حال وجود فاعله لأن كلا الأمرين يخالف المفعول ، فجوّزوا أن يكون المحل من فعل العرض الّذي قارنه في الوجود والحدوث .
فان قيل على الكلام الأول هلا قلتم : ان الفعل وان لم يجب عن الفاعل أنه يجب أن يختص ويحل فيه كما قلتم في العرض الموجب الحكم بمحله ؟
قيل له : انا بيّنا بما تقدم ذكره أن حمل أحد الأمرين على الآخر لا يصح ، ثم إن الكلام في الفعل وكيفية تعلقه بفاعله قد سبق القول فيه ، لأنا قد دللنا على أن الواحد منا يفعل في بعضه وفي غيره ، ودللنا على أن الفعل يحدث من فاعله لكونه قادرا عليه ، وقد يقدر على ما به يوجد في غيره كما يقدر على ما يوجد في بعضه ، وبيّنا أن بعضه في حكم الغير له ، لأنه إذا لم يكن هو القادر وكان القادر هو الجملة ، صار في حكم الغير ، فإذا جاز أن يفعل الواحد منا الفعل في بعضه وغيره لم يمتنع منه تعالى أن يفعل
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 88
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص٨٨