الجوهر في حال حصوله في مكان يجوز أن يحصل في غيره بدلا منه . فإذا صح عليه التحرك إلى الجهات الست ، فلم صار بطبعه في الوقت الواحد بأن يتحرك في جهة أولى من أن يتحرك في جهة أخرى ، وهذا يوجب كونه متحركا في الجهات أجمع ، أو أن لا يصح أن يتحرك بطبعه أصلا على ما نقول ، ولا يرجع علينا ذلك من حيث قلنا إن القادر على تحريكه يقدر على تحريكه في الجهات كلها في حال واحدة ، وان لم يجب أن يحركها في كل الجهات ، وذلك لأن ما يقع منه يقع باختياره ، أو يجرى مجرى ما يقع باختياره . وقد بيّنا القول في ذلك من قبل ، ودللنا على أنه متى لم نقل ذلك فيما نفعله ، أدى إلى بعض حقيقة القادر ، وليس كذلك لو وجدت الحركة بالطبع ، لأن الطبع يوجب وليس له من التعلق بالتحرك في جهة ما ليس له بالتحرك في جهة أخرى ، وهذا يؤدى إلى ما ألزمناهم .
ولا يلزمنا ذلك في الأسباب الموجبة ، وذلك لأنها على ضربين : أحدهما يوجب أمرا واحدا فلا يجب فيه ما ألزمناهم ، وهو كالنظر الّذي يوجب العلم ، والوهى الّذي يوجب الألم ، والمجاورة التي توجب التأليف ، والثاني الاعتماد الّذي يصح أن يكون موجبا للشئ وضده . ولا يلزم أيضا على كلامنا أن الاعتماد / وان صح أن يوجب حركة المحل في الجهات ، فإنما يوجب في الوقت الواحد تحركه في أقرب المحاذيات إليه ، لاختصاصه بأنه تولد في جهته فللوجه الّذي تولد عليه من التعلق بالتحرك في أقرب محاذيات إليه ما ليس له في سائر المحاذيات ، فلذلك وجب أن يتحرك في هذه الجهة دون غيرها ، وليس كذلك حال الطبع الّذي يثبتونه ، لأنه لا يختص بالايجاب التحرك في جهة دون أخرى ، وكان يجب تحرك المحل في الجهات كلها أو ألا يتحرك أصلا .
فان قال أليس الاعتماد سفلا يوجب الانحدار ويوجب الارتفاع إذا صادف جسما صلبا ومصاكّة ، ولم يجز أن يقال إنه يجب ألا يوجب الأمرين
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 27
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص٢٧