تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 24

مساهمون:

ص٢٤
من أن أفعال الجوارح كالإرادة في أنه يصح أن يفعلها : فأما من ذهب في الانسان إلى أنه جسم بسيط ، فالكلام على قوله وعلى قولنا لا يختلف البتة . ومن يقول إنه لا يصح كونه محلا ، فتعلقه بأن الفاعل هو المحل محال ، على أن هذا القول يوجب أن لا يكون تعالى فاعلا لاستحالة كونه محلا ، وألا يكون الجسم فعلا لاستحالة كونه حالا ، فإذا بطل ذلك علم فساد هذا الحد في الفاعل ، وثبت أن الفعل انما يكون فعلا لفاعله متى علم / أنه يحدث بحسب أحواله ، لأنه متى كان كذلك علم أنه المحدث بالطريق الّذي قدمنا القول فيه . وقد بيّن شيخنا أبو هاشم رحمه اللّه في أول نقض الطبائع كيفية تعلق الفعل بالفاعل وما يثبت به فعلا له من جهة العقل ، وما يعتمد عليه من جهة الأسماء ، ولولا أن التعلق الّذي بيناه بين تصرف زيد وبينه يقتضي أنه المحدث له لم يصح أن نثبت للعرض محلا لأنا انما نثبته حالا في جسم دون جسم لاختصاصه بأحكام ترجع إلى ذلك العرض دون سائر الأجسام . فإن كان اختصاص تصرف زيد به لا يدل على حاجته إليه ، فكيف يدل اختصاص المحل ببعض الأحكام على وجود العرض فيه ؟ وهذا يبطل قولهم ان الفاعل هو المحل لأنهم بنفيهم الفعل الّذي يحل الجوارح عن القادر منا قد أبطلوا على أنفسهم طريق معرفة كون الفعل حالا في المحل ولا شيء تثبت به صحة ذلك الا وبمثله يثبت تصرف زيد فعلا له ، على أنا قد بيّنا أنه لا طريق يثبت به المحدث فعلا للقديم جل وعز الا العلم بأنه غير متعلق بغيره من الفاعلين ، وبأنه لا يصح ذلك فيه ، فإذا تقدم العلم بأن المحدث لا بد له من محدث ، وعلم ذلك من حاله ، علم أنه حادث من جهة القديم تعالى . وهذه الطريقة لا تصح في أفعال الجوارح كما لا تصح في الإرادة ، فكيف يمكن أن تضاف إلى القديم جل وعز ؟ وما بيّنا به من أن المجبرة لا يمكنها أن تعرف تعلق الحوادث بالقديم جل وعز يوجب ألا يمكنهم أيضا معرفة المحدث / القديم جل وعز ، فلا وجه لإعادة القول فيه .
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 24 | القاضي عبد الجبار الهمذاني