فصل في أن أفعال الجوارح لا يجوز أن تكون واقعة من المحل بطبعه أو بايجاب الخلقة ، وان القول بإضافة شيء من الأفعال إلى الطبع متولدة أو مباشرة باطل .
اعلم أن جميع ما قدمناه قبل هذا الباب يدل على بطلان قول من قال إن عند ارادته ودواعيه تقع الأفعال من أبعاضه بطبعها ، لأنا قد بيّنا أنها متعلقة به على وجه يقتضي أنها فعل له . وإذا كانت فعلا له لم يصح أن يقال إنها واقعة بطبع المحل ، كما لا يصح مثل ذلك في الإرادة نفسها لما ثبت أنها فعل للانسان ، ويدل على ذلك أيضا أن الطبع ان كان يفعل فيجب أن يرجع إلى كل محل ، فلو كان الفعل يقع من المحل بطبعه لوجب أن لا تقع أفعال جوارحه بحسب قصده ودواعيه وعلمه وادراكه ، فإذا ثبت وقوعها بحسب هذه الأحوال فيجب القضاء ببطلان كونها فعلا للمحل ، ولا يمكن أن يقال إن المحل الّذي فيه الإرادة يحمل سائر المحال على الفعل ، / لأن هذا القول ينقض القول بأن هذه الأفعال تقع بطبع المحال ، وان كان يفسد من حيث علمنا بأن الانسان قد يبتدئ الفعل من مفاصل جوارحه وأطرافها ، وما هذا حاله لا يصح أن يقال إنه واقع بحدث محل للإرادة أو دفعه . وان كان لو ثبت ذلك لم يسلم مع قول من قال إن الانسان لا يفعل الا الإرادة ، لأن بالإرادة الحالّة في المحل لا يصح حمل سائر الجوارح على الفعل ، فيجب أن يكون فاعلا للاعتماد أو الحركة حتى يصح ذلك فيه ، وهذا يوجب أنهما فعله كما أن الإرادة فعله ، وإذا صح ذلك فيها كلها صح مثله في سائر أفعال الجوارح ، على أن الطبع الّذي أضافوا الفعل إليه لا يخلو من أحد أمرين : اما أن يكون صفة للمحل