أن هذه الأمور من فعله جل وعز ابتداء أو بطبع المحل وخلقة الجارحة ، وأبطل بهذه الطريقة قول من يجعله فعلا للمحل من حيث ثبت مما تقدم أنّ من حق من يحدث الشيء منه أن يكون قادرا ، والمحل لا يصح ذلك فيه ، وألزمهم على قولهم بالطبع ألا تصح معرفة النبوات ، لأن أكثر معجزاتهم هي أعراض حالة في الأجسام ، وعندهم أن المحل هو الفاعل لها ، ولم يثبت أنه لا يفعل الا الحسن فكيف يمكن أن يوثق بالنبوات ؟
ومثل هذا يلزم من قال إن هذه الأمور من فعله سبحانه ، فعله بطبع المحل وايجاب الخلقة ، لأن عندهم أنه لا يصح مع السلامة ألا يوجد ذلك فيجب ألا يكون واقعا بحسب اختيار مختار ، وذلك يمنع من القول بأنه تعالى فعله مع انتقاص العادة على جهة التصديق دون أن يكون فعله ، لأن طبع المحل وخلقته أوجبا وجوده عند دواعي الانسان وارادته ومع فقد ذلك وان كان هذا الوجه لا يلزم من زعم أن ذلك من فعله تعالى يفعله على طريق الابتداء ، وان كان قوله يفسد من الوجوه التي قدمناها . ويبين ما قلناه أن القادر منا قد يعتقد في المراد ما يوجب كونه مريدا له من منفعة ودفع مضرة عند أمارة ، كما قد يفعل على الوجه الّذي تقتضيه الإرادة ، فلا فرق بين من يقول إن الإرادة / فعله دون غيرها ، وبين من قال إن الاعتقاد والظن فعله دون الإرادة ، ولا يصح أن يقال إنه انما يفعل الإرادة فقط .
لأن من حق الفاعل أن يحله فعله ، لأن الدلالة قد دلت عندنا على أن الحي القادر هو جملة الانسان دون جزء في القلب ، فلا يصح أن يثبت الفاعل محل الإرادة ، لأن حكم ذلك المحل مع الحي في أنه بعض له ، كحكم سائر أبعاضه ، وسنبين فيما بعد بطلان القول في الانسان ، وان كان لو ثبت لم تمكن نصرة هذا القول الفاسد به . لأنه كان يجب أن يصح أن يفعل الحركة كما يصح أن يفعل الإرادة ، وكذلك يجب في سائر ما يصح حلوله في ذلك المحل ، وإذا صح ذلك فغير بعيد أن يفعل الاعتماد في نفسه ويولد به الحركات في جوارحه والأفعال في غيره ، فيعود الحال إلى ما قلناه
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 23
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص٢٣