الشبهة في أن الدواعي توجب الأفعال أقرب من الشبهة في أن الإرادة توجب المرادات ، لأن الإرادة والمراد يتبعان الداعي ولا يتبع أحدهما صاحبه في باب الاحداث . وإذا صح ذلك وعلم أن القول بأن الدواعي موجبة لأفعال لا يصح ، فكذلك لا يصح القول بأن الإرادة توجب المرادات ، وإذا بطل ذلك وجب القضاء بأنها مبتدأة من الانسان ، وأنه لكونه قادرا عليها فعلها كما فعل الإرادة من حيث كان قادرا عليها ، على أنا قد علمنا أن الحي منا قد تصح منه أفعال الجوارح ، وأن تعذّر عليه فعل الإرادة نحو أن يكون ساهيا أو يتولد عن فعله ما لا يعلمه ولا يعتقده ، وقد تصح منه الإرادة ويتعذر عليه المراد كالممنوع والزّمن ، وقد يصحان جميعا فكيف يقال إن الإرادة يصح كونها فعلا له ، ويصح أن يقدر عليها دون المراد والحال هذه ؟
وبعد ، فان أفعال الجوارح تكثر وتقل بحسب أحوال القادر ، والإرادة لا يتأتى ذلك فيها ، وأفعال الجوارح تقع بحسب قصده ، وتنتفى / بحسب كراهته ، والإرادة لا يصح ذلك فيها ، فكيف يقال إن أفعال الجوارح ليست بحادثة من جهته ، وأن الإرادة من فعله ؟ ولو قلبت القضية فقيل إنه قادر على أفعال الجوارح ، لكنه مع العلم لا يصح أن يفعلها الا وتقع الإرادة بالطبع أو من فعل اللّه جل وعز كان أولى . على أن الأحكام المتعلقة بالفاعل وتعلق فعله به تعلم قبل أن تعلم الإرادة أصلا ، لأنا إذا علمنا وقوع كلامه وضربه بحسب كونه مريدا وبحسب دواعيه ، علمنا تعلق فعله به على الجملة ، وعلمنا الأحكام المتعلقة بالفاعل من حسن الأمر والنهى والذم والمدح ، فإذا صح ذلك لم يمكن أن يقال إنه لا فعل له الا الإرادة . على أنّا قد بيّنا أن هذه الأفعال التي تحل جوارحه من الكلام والحركات وغيرهما تقع بحسب كونه عالما بكيفيتها ، وبحسب ادراكه لما يدركه من محل الفعل وغيره ، وبحسب آلاته ، ألا ترى أنه لا يصح أن يفعل هذه الأفعال محكمة الا وهو عالم ؟ ولا يصح أن ينقط المصاحف الا وهو مدرك
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 21
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص٢١