لجارحته في احدى الحالتين من الحكم ما ليس لها في الحالة والأخرى ، ولا يجوز أن يكون ذلك صفة ترجع إلى الجارحة ، لأن القادر هو الانسان فكماله دون سائر جوارحه . فإذا صح ذلك علم أن الّذي به اختصت الجارحة هو وجود القدر فيها ، وأنه يصح الفعل بها على حسب عدد القدر التي فيها ، ويدل على ذلك أن المريض العليل لا يمكنه أن يفعل بجوارحه المراد ، كما لا يمكن العاجز أن يفعل الإرادة ، فيجب القضاء بأن من وقع مراده بحسب قصده ففي جارحته قدرة لنا ، ولأجلها صح أن يفعل الفعل بها . ولذلك تختلف أحوال القادرين مع أن حكم جوارحهم لا يختلف في أنه محتمل للفعل وفي أنه آلة فيه ، ولا حكم لإرادتهم ودواعيهم ، فعلم بذلك أن فعل الجارحة يقع بحسب القدر التي فيها ، ولا يكون كذلك الا وهو فعل للانسان . ومما يبين ذلك أن الآفة الحادثة في الجوارح والمنع الحاصل فيها يتعذر معه ما لولاه لصح وقوعه ، ولولا أن في ذلك الفعل يقع / بالقدرة الحالّة فيها لم يصح ذلك ، لأنه تعالى قادر على أن يفعل ما شاء فيها سواء كانت القدرة موجودة أو معدومة ، حصل مريدا له أم لم يحصل ، وفي علمنا أن هذه الأمور في أنها تؤثر في وجود أفعال الجوارح ، كالعجز في أنه يؤثر في الإرادة ، دلالة على أنها فعله ، كما أن أفعال القلوب فعله ، فلو لا أن الأمر كذلك ، كان الواحد منا لا يصح أن يكون مانعا لغيره من أفعال الجوارح ، وانما يكون المنع منعا من أن تحصل من جهة القديم سبحانه أفعال في الجوارح وفي فساد ذلك ، وعلمنا أن العقلاء يمنعون الغير من أفعال الجوارح دلالة على أنه لولا المنع لكان يصح الفعل منهم .
وليس لأحد أن يقول إن المنع وسائر ما ذكرتموه يغير خلقه المحل ، ويخرجه من أن يكون مهيئا بطبعه لاحتمال ذلك الفعل ، وذلك أن المحل على كل حال يحتمل ذلك الفعل ، فلو كان واقعا بطبعه أو من قبل اللّه تعالى لم يصح المنع فيه ، لأن مع المنع حال الطبع كحاله مع زوال المنع ، وكذلك
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 19
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص١٩