نهى في الشاهد ، مع علمنا / بحسنهما ضرورة على الجملة ، بل حسن الأمر والنهى في أفعال الجوارح أظهر منه في الإرادة ، فلا يصح أن يقال إنها فعله دون أفعال الجوارح . على أن أفعال الجوارح لو كانت فعلا للّه تعالى وفي جملتها الكلام والكذب لوجب كونه كاذبا بكل كذب يقع في العالم ، ولو جوّزنا ذلك عليه لم يوثق بشيء من كلامه وبشيء من الأدلة ولزم على ذلك كل ما يلزم المجبرة ، وهذا الكلام لازم لمن قال إنه تعالى يفعل ذلك بطبع الجسم ، كما يلزم من قال بفعله ابتداء ، ولذلك قلنا إن قائل ذلك متى نسبه إلى اللّه تعالى في الحقيقة فهو كافر ، كما يكفّر المجبرة في إضافة القبائح إلى اللّه تعالى ، ولا شيء يمكن أن يسأل على ذلك الا ما قدمناه من شبه المجبرة ، ولا يمكنهم أن يقولوا ان ذلك وان وقع منه تعالى فهو يقع بالطبع الّذي للمحل ، وهو مخالف لما يقع باختياره ، فيجب ألا يستحق الّذي عليه ، وألا يكون قبيحا منه . وذلك أن العالم بقبح القبيح لا يجوز أن يختاره إذا كان غنيا عن فعله كان ذلك القبيح مما يبتدئه أو يفعله بسبب .
وهذا بيّن إذا تأملت حال الواحد منا فيما يقدر عليه ويفعله ، لأن المباشر والمتولد سواء في أنه إذا كان قبيحا لم يفعله الا مع جهل أو حاجة . ومما يدل على ما قلناه أن أفعال الجوارح تقع بحسب القدر الحالّة فيها ، فلو كانت فعلها للمحل أو للقديم تعالى ، لم يجب ذلك فيها . فإذا علمنا أنها تقع بحسب ما يحصل في محالها من القدر ، علمنا أنها فعل للانسان كما أن الإرادة فعله ، فان قال ومن أين أنها تحدث في الجوارح بحسب / القدر التي فيها ، بل ما الدليل على أن في الجوارح قدرا ؟ قيل له : لأنا نعلم أن حال القادر منا يختلف فيما يصح أن يفعله في جوارحه في الأوقات ، فمرة يصح أن يحمل الثقيل بيديه ، ومرة أخرى لا يصح منه الا حمل ما هو دونه ، وقد علمنا أن احتمال المحل لحمله في الوقتين على أمر واحد ، وكذلك الآلة يصلح لهما جميعا ؛ وكذلك الإرادة متناولة في الحالين ، فعلم أن
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 18
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص١٨