تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 16

مساهمون:

ص١٦
ذلك دلالة على أن المرادات مقدورة للانسان ، وأنه فاعلها كما أنه فاعل الإرادة ، وقد دللنا من قبل على أن القديم تعالى لا يجوز أن يفعل القبيح ، وبسطنا القول فيه ، فإذا ثبت ذلك ، فلو لم تكن أفعال الجوارح فعلا لزبد وقد علم أنه يكون فيها قبيح نحو الكذب والأمر بالقبيح والظلم وما شاكله ، لأنه ان لم تثبت هذه الأمور قبيحة لم يصح اثبات إرادة قبيحة لأنها انما تقبح لتعلقها بالقبيح الّذي وصفناه . فإذا صح أن في أفعال الجوارح قبائح ، وثبت أن القديم تعالى لا يجوز أن يختار فعل القبيح لكونه عالما بقبحه ، وبأنه غنى عن فعله ، وصح أن الفاعل لا يجوز أن يكون المحل بطبعه أو بغير طبعه ، وبطل القول بأنه لا محدث لهذه الحوادث ، فيجب القضاء بأنها أفعال للانسان ، كما أن الإرادة فعله . وليس لأحد أن يقول إنها لا تكون قبيحة من حيث تعلقت في الحدوث بالإرادة ، ووجب وجودها بوجوده ، وانما كان يجب ذلك فيها لو كانت تنفرد في الحدوث بنفسها ، وذلك لأن الإرادة لا تخلو من أن تكون قبيحة أو حسنة ، وقد علم أنها لا تكون الا قبيحة إذا تعلقت بالكذب والظلم . فإذا صح ذلك فيها ، فكانت انما تقبح يقبح المراد دون غيرها ، فيجب / كون هذه المرادات قبيحة ، ويفارق ذلك ما نقوله من أن الاعتقاد المبتدأ قد يكون قبيحا ، ومتى تعلق بالنظر وذكر الدلالة كان حسنا ، لأن النظر في ذكر الدلالة لما ثبت حسنهما لم يمتنع القضاء بحسن ما وجب وجوده بوجودهما ، فلذلك فصلنا بين الأمرين فيه ، وليس كذلك الحال في الإرادة لأنها قبيحة فيما يتعلق وجوده بوجودها بأن يكون قبيحا أولى ، بل كان يجب في هذه المرادات ، لو كانت تحس لو انفردت ، أن تقبح إذا تعلقت بالمراد على ما يقتضيه ما ذكرناه في الاعتقاد ، وليس لأحد أن يقول إنها قبيحة لكنه يزول الذم عن فعلها من حيث تعلق وجودها بوجود الإرادة من جهتنا ، وأنها تجرى مجرى فعل الملجأ إذا كان قبيحا ، وذلك لأن هذه المرادات لا تعلق بالإرادة على هذا الوجه