كونها مولدة دونهما ، ولا يمكن دفع هذا السؤال بأنه كان يجب أن تولد الرطوبة والتأليف في الرطبين إذا تجاورا ، لأن للمخالف أن يقول به ويجرى الرطوبة مجرى المجاورة عندنا في أنها تولد جنس التأليف متى حصل في المجاورة ، وان لم يصعب التفكيك الا إذا كانت اليبوسة في المحل الآخر .
فان قيل : هلا قلتم ان الجوهر نفسه يولد التأليف بشرط المجاورة ويكون من فعل اللّه تعالى ، وان كان يتولد عن الباقي كما تتولد عندكم الأكوان عن الاعتماد اللازم وان كان باقيا . قيل له : انه إذا كان لا يولده الا والمجاورة حادثة والتأليف حاصل يحسبها وقد اختصت بأنها حادثة ، فصرف توليد التأليف إليها أولى منه إلى الجوهر نفسه ، وقد قيل إن المولد لا يجوز أن يكون مما يستحيل وجود المولد مع عدمه ، فلا يصح على هذا الأصل أن يكون الجوهر مولدا للتأليف ، فحاجته في الوجود إليه ، وبيّن ذلك بأن تعلق المسبب بالسبب كتعلق المقدور بالقدرة ، والفعل بالفاعل ، فإذا لم يصح اثبات الفعل على وجه يحتاج إلى فاعله أو القدرة عليه ، فكذلك لا يصح اثباته / على وجه يحتاج إلى ما يتولد عنه ، وذلك يمنع من كون الجوهر مولدا للتأليف ولسائر ما يحتاج إليه في الوجود ، ولا تلزم على هذه الطريقة المجاورة ، لأن التأليف لا يحتاج إليها بعينها ، ولذلك ينتفى مع انتفائها بأضدادها من المجاورات .
وبعد ، فلو ولد الجوهر التأليف بشرط المجاورة لوجب أن يولده حالا بعد حال إذا حصلت المجاورة ، لأن حكمه في سائر الأوقات لا يختلف في الوجه الّذي له يولد ، ولو ولده في حال البقاء لتعذر على الضعيف تفريق الأجسام الصلبة إذا استمر بها التجاور مدة طويلة ، ويخالف ذلك ما تقوله له في المجاورة أنها تولد في حال حدوثها دون سائر أوقاتها ، لأنها من حيث اختصت في الأول بالحدوث دون سائر الأوقات ، صح أن تولد في تلك الحال دون سائر الأحوال ، فيصير الحدوث شرطا في توليدها ، ولا يمتنع
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 156
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص١٥٦