والكراهة والاعتقاد من غير أن نفعل قبلها أو معها غيرها ، والمتولد يستحيل ذلك فيه لوجوب تعلقه بالسبب ، فيجب في كل فعل يصح فيه ما ذكرناه أن يكون مباشرا ، والّذي يلتبس الحال فيه هو كل فعل لا يوجد الا مع غيره في حاله أو متقدم له مثل التأليف الّذي يقال / انه يولد التأليف والاعتماد انه يولد مثله وان كان محله ساكنا ، ويقال إن الّذي يولد الكلام والصوت الأكوان دون الاعتماد من حيث لا يولدهما الاعتماد الا والمصاكة موجودة ، أو يقال إن الإرادة يولدها الاعتقاد من حيث لا تنفك منه ، أو يقال إنها تولد المراد مع السلامة من حيث وجب وجوده عند وجودها ، أو يقال إن الاعتقاد يولد الندم أو التمني لأنهما لا يوجدان الا معه ، وسنذكر القول في ذلك ان شاء اللّه . وقد بيّنا أن الإرادة لا تقع الا مبتدأة ، لأن ايجادها يصح من الواحد منا من غير أن يوجد غيره من الأفعال ، وكذلك الكراهة وهذه حالها مع القادر منا في كل حال فلا يصح كونهما متولدين ، وليس لأحد أن يقول إنهما يتولدان عن الدواعي لأنه لولاها لما أراد الفعل ، وذلك لأن الدواعي انما تدعو إلى المراد ، والإرادة تحصل تابعة له ، فلو ولدت شيئا لوجب أن يولد المراد لا الإرادة .
وبعد ، فان الدواعي قد توجد مع احتمال المحل الإرادة ، ولا توجد بأن تقابلها دواع أخر ، وقد تكون من فعل اللّه تعالى فلو ولدت لوجب أن تكون الإرادة من فعله تعالى ، لأن المسبب يجب كونه فعلا لفاعل السبب ، ولا يجوز كون النظر مولدا للإرادة لأنه قد ينظر في الشيء ولا يريده ، وقد ينظر فيما يستحيل أن يراد ، وقد ينظر في المختلف ويريد المتفق ، وينظر في المتفق ويريد المختلف ، ففارق حال الإرادة حال العلم في تولدها عن النظر ، وقد قال شيخنا أبو هاشم رحمه اللّه ان المولد من أفعال القلوب لا يجوز أن يكون الا النظر ، فإذا لم يصح كونه مولدا للإرادة والكراهة / فيجب ألا يتولد عن شيء ، ولا يمكن أن يقال إن الاعتماد يولدها ،
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 131
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص١٣١