فلما رأى ضرار ومن تبعه لزوم هذا الكلام له ، عدلوا إلى أن قالوا :
ان العبد يكسب أفعاله ، وان كانت مخلوقة للّه تعالى وحادثة من جهته .
ومنهم من قال : ان العبد يفعل ، ومنهم من أبى ذلك . وغرض الكل متفق في أن حدوث الفعل باللّه سبحانه ، وأن العبد يكتسب ولا يحدث . وزعموا أن العبد يحسن أمره ونهيه وذمه ومدحه ، من حيث كان مكتسبا ؛ ويتعلق به ما ذكرناه من الأحكام ، من هذا الوجه . واعتصموا بهذه اللفظة عن جميع ما ألزمناه جهما ، ظنا منهم أن ذلك يعصمهم من لزومه ، وجميعه لازم لهم . لأنهم ، وان تعلقوا بذكر الكسب ، فإنهم ينسبون الفعل إلى أن اللّه تعالى أحدثه وأوجده ، وبه كان على سائر صفاته . فبينوا لهم أنه لا سبيل إلى اثبات العبد قادرا عليه ولا عالما ، ولا يمكن القول : بأنه بحسب / دواعيه واختياره ، ولا يمكن اثبات المحدث وصفاته . فقالوا : انا كما نقول :
بأن اللّه سبحانه يحدث الفعل ويخترعه ويخلقه ، نقول بأن العبد يكتسبه ، فالكلام عنى زائل .
فقيل لهم : لو ثبت للكسب حقيقة ترجع إلى الجملة ، لم يصح ما تعلقتم به . فكيف ، ولا حقيقة له ؟ وبينوا لهم القول في هذين الفصلين :
أحدهما أنه لا حقيقة للكسب ترجع إلى المأمور المنهى . والثاني ، أنه لو ثبت له حقيقة ، لما صح ما قالوه فيه .
ونحن نبين كلا الأمرين ، ونذكر ما يمكن ذكره في حد الكسب ، ونأتى على فساده .
اعلموا أن تعليل الصفة واضافتها إلى من حصلت به ومن جهته ، فرع على كونها معقولة . لأنه لا يجوز أن يقال : لما ذا كان العالم عالما ؟ للعلم ،
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 84
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص٨٤