بالفاعل ، محال . وذلك لأن ما لا يبقى قد كان يجوز أن لا يتحدد عدمه في الثاني ، بأن لا يحدث من القادر عليه في الأول ؛ كما يصح في المسبب أن لا يحدث سببه ؛ فحالهما سواء في ذلك . فلو صحت القدرة على اعدام الشيء ، لوجب في كل ما لعدمه أول أن يتعلق بالقادر ، كما يجب ذلك في كل ما لوجوده أول ، على ما بيناه . وفساد ذلك يوجب أن عدم الشيء لا يكون بالفاعل .
دليل آخر : ومما يدل على ذلك أن القدرة لو صح تعلقها باعدام الشيء ، لأدى إلى جواز خلو الجوهر من الأكوان بأن يعدمها القادر منا أو القديم تعالى لكونه قادرا على اعدامها . وقد دللنا على استحالة خلوّه منها ؛ فما أدى إلى جوازه ، وجب فساده . وليس للدلالة الدالة على استحالة خلوّه من الأكوان تعلق بأن القدرة لا يجوز تعلقها بالشيء الا على وجه الحدوث ، فيقال : انكم قد دللتم على ذلك بما لا يعلم الا بعد العلم به . وليس لأحد أن يقول : لو خلت من الأكوان ، لوجب عدمها ؛ وذلك لأن الجواهر لا تحتاج في وجودها إلى الكون ، وانما تصير في بعض الجهات بالكون ، فلا يصح ما قاله .
فان قال : إذا أعدم القادر الكون الّذي حصل به في بعض الجهات عنه ولم يوجد فيه ما يصير به في جهة أخرى ، وجب عدمه وان كان لا يحتاج في وجوده إلى الكون .
قيل له : ان عدمه ، لو وجب ، لم يجب الا بعدم الكون ، لأنه المتحدد دون غيره . ولو وجب ذلك ، لوجب عدمه لعدمه ، حصل فيه ما يوجب كونه في مكان آخر من الأكوان أو لم يحصل ؛ لأن كل شيء وجب أن يعدم عند عدم غيره في بعض الأوقات ، وجب ذلك في سائر الأوقات .
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 78
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص٧٨